Atwasat

طفيليات

منصور بوشناف الخميس 05 مارس 2026, 06:37 مساء
منصور بوشناف

في تقلبات اقتصادنا الريعي، نسمي ما يجري فيه بالانتقال من القطاع العام إلى القطاع الخاص، أو من اقتصاد المركزية والحكومة إلى اقتصاد السوق، وكل ذلك تماشياً مع ما جرى في العالم إثر انهيار الاتحاد السوفيتي وفشل أنظمة القطاع العام. كان هذا التوجه قد بدأ في التسعينيات من القرن الماضي وسمي «الخصخصة»، وكانت تلك لعبة قادتها قيادات الزحوف ومصادرة الأملاك الخاصة بعد سرقتها ونخر سوس الفساد لها، وذلك ببيعها كخردة اقتصاد للقطاع الخاص.

القطاع الليبي الخاص، ومنذ أواخر السبعينيات وحتى تسعينيات القرن الماضي، كان قطاعاً غير شرعي رغم نشاطه من داخل منظومة فساد كبيرة تكونت ونمت تحت مظلة الاشتراكية والعدالة وغيرها من شعارات ومبررات الفساد.

هذا القطاع تشكل كمنظومة ذات طابع مافيوزي، لا يعمل إلا بالسطو على المال العام، بتهريبه إلى الخارج عبر العمل كمهرب للسلع من الخارج مقابل تحويلات من القطاع العام المحاصر لسنوات طويلة. كانت مكاتب الوكلاء الليبيين قد انتشرت في عواصم العالم، مكاتب وشركات بجنسيات أجنبية لملاك ليبيين غالبيتهم مرتبطون عضويا بالنظام السياسي ومافيا الفساد في الداخل، وكانت تلك المكاتب والشركات تنال العقود لتنفيذ المشاريع في ليبيا بأسعار مبالغ فيها.

القطاع الليبي الخاص، وإثر ما جرى في عشريتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تشكل ونما كاقتصاد تهريب وغسيل أموال، من تاجر الشنطة الصغير المسكين وحتى غيلان الاعتمادات وغسيل الأموال الكبار. وكل هذا جعل استراتيجية وتكتيك هؤلاء تعتمد «الخَبطة أو الضربة» وليس التراكم والعمل المنظم كأساس للربح والنمو، فقد كان عملهم غير شرعي ومهدداً بالمصادرة والإفلاس، فلا يختلف مورد العلكة مثلا عن مورد الحشيش «كلهم في الممنوع».

هذا القطاع الخاص «وليد المنع واللاشرعية» مُنح الشرعية في تسعينيات القرن الماضي، وبثقافة التهريب والضربة والخَبطة رسخ مكانته الاجتماعية والاقتصادية، وسيطر على الاقتصاد الريعي، وكان قد كوَّن علاقات خارجية قوية بمافيات التهريب العالمية، ليواصل عمله كمهرب للعملة الصعبة وغسيل الأموال، وكمسوق للسلع الاستهلاكية لجني الأرباح الطائلة.

كان النظام الاقتصادي السبتمبري رحم ومرضع هذا القطاع الفاسد، ومشرعناً كمهرب للعملة والسلع، فثقافة هذا القطاع كانت لا ترى في البلاد إلا بقرة للحلب، وترتبط ارتباطاً عضويا بمافيات الخارج.

القطاع الخاص الليبي صُنع ليكون طفيلياً يتغذى وينمو على دماء الليبيين، وبثقافة «الضربة أو الخَبطة» ظل يخبط ويمتص قوت البلاد ومستقبلها. هذه الثقافة جعلت مشاريعه في الداخل خاصة في «الصحة والتعليم» تعامل المواطن الليبي «كعمالة مهاجرين غير شرعيين»، فلا حقوق لهم وبمرتبات أقل من الحد الأدنى للأجور، ولا عطلات ولا إجازات ولا ضمان اجتماعيا أو تأمين صحيا. إنهم عمال تراحيل أو عمال يومية رغم أنهم في معظمهم أطباء أو معلمون حديثو التخرج.

المصارف الليبية، ورغم كل شعارات الدولة وتوجيهاتها بالتحول للقطاع الخاص وتخفيف أعباء الحكومة، لا تزال تتعامل مع العاملين بهذا القطاع كعمال تراحيل، فلا تمنحهم القروض ولا السلف ولا حتى الشراء بمرابحاتها الإسلامية، فهي ترى في العمل بالقطاع الخاص عملا مؤقتاً وغير مضمون.

القطاع الليبي الخاص ما لم يتأسس بقوانين حقيقية، وما لم يلتزم بقوانين العمل والتجارة والصناعة والزراعة في ليبيا، سيظل قطاع طفيليات ضارة بل قاتلة للاقتصاد وللإنسان في ليبيا.

القطاع الخاص ليس داعماً للاقتصاد الوطني فقط، بل هو الركيزة الأساسية لمستقبل البلاد وهو سر نهوض البلدان. وإن ظل قطاعنا الخاص بهذه الممارسات المافيوزية فإنه سيقضي على كل شيء وسيغادر البلاد ويتركها جثة هامدة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»