Atwasat

نسف مفوضية الانتخابات.. ضرب لآخر مؤسسات الدولة

المهدي هندي الإثنين 12 يناير 2026, 02:55 مساء
المهدي هندي

في كل مرة تلوح فيها فرصة حقيقية لكسر حالة الجمود السياسي في ليبيا، تتحرك قوى «الوضع الراهن» لإعادة إنتاج الانقسام بأدوات أكثر خطورة. وآخر هذه التجليات ما تشهده الساحة اليوم من محاولات علنية لنسف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات؛ المؤسسة التي باتت تُمثل المعقل الأخير لتماسك مؤسسات الدولة، والأمل المتبقي لليبيين للعبور نحو استقرار يُنهي سنوات الترهل والانسداد.

بيان تنسيقية الأحزاب والتكتلات السياسية، الذي طالب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بدعم المفوضية والتمسك بفرص التغيير، لم يأتِ من فراغ. بل يعكس قلقًا متصاعدًا من سلوك الأجسام السياسية القائمة التي أظهرت، «مرارًا وتكرارا» استعدادها لتعطيل أي مسار قد يهدد بقاءها في السلطة، حتى وإن كان ذلك على حساب وحدة الدولة ومستقبلها.

المقلق في المشهد الحالي ليس الخلاف السياسي في حد ذاته، فذلك أمر طبيعي في أي عملية انتقالية، بل في تحويل الخلاف إلى أداة لهدم المؤسسات. فالمفوضية العليا رغم محدودية إمكاناتها والضغوط السياسية والأمنية التي واجهتها، نجحت في إدارة استحقاقات انتخابية سابقة بشهادة محلية ودولية، دون أن تُسجل عليها شبهات جدية تمس نزاهتها أو استقلالها. ومع ذلك أصبحت اليوم هدفًا مباشرًا لصراع النفوذ بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، في مشهد يعكس أزمة أعمق تتعلق برفض التداول السلمي للسلطة.

إن الحديث عن تشكيل مفوضية موازية أو استبدال المفوضية القائمة لا يمكن فهمه إلا في إطار الهروب من الانتخابات. فبدل معالجة أسباب التعثر الحقيقي، المتمثلة في القوانين المعيبة وغياب التوافق السياسي، يجري تحميل المفوضية مسؤولية فشل لم تصنعه، في محاولة لشراء الوقت وإطالة أمد المرحلة الانتقالية إلى أجل غير معلوم.

تحذير تنسيقية الأحزاب من خطورة هذه المساعي يبدو في محله، خصوصًا مع اتساع رقعة الانقسام لتشمل مؤسسات سيادية حساسة، بما فيها السلطة القضائية. فاستمرار هذا النهج لا يهدد فقط إجراء الانتخابات، بل يضرب أسس الدولة نفسها ويُفقد ما تبقى من ثقة المواطن في العملية السياسية برمتها.

غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: إلى أي مدى يمكن لبيانات القلق والإدانة أن تُحدث فرقًا؟
الواقع أن المشهد الليبي تجاوز مرحلة التشخيص. فالمشكلة لم تعد خفية، ولا الأطراف المعرقلة مجهولة. ما ينقص اليوم هو الانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن المواقف المعلنة إلى أدوات ضغط سياسية وشعبية حقيقية تفرض مسار الانتخابات كخيار لا رجعة فيه.

أما الرهان على بعثة الأمم المتحدة، ورغم أهميته فيظل رهانًا ناقصًا إذا لم يقترن بإرادة وطنية صلبة. فقد أثبتت التجربة أن البعثة تميل في كثير من الأحيان إلى إدارة التوازنات بدل حسمها، ما يجعل دورها داعمًا لا بديلًا عن الفعل السياسي الداخلي.

في المحصلة، تقف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات اليوم في قلب معركة سياسية حقيقية:
إما أن تُحمى وتُدعم باعتبارها مؤسسة وطنية مستقلة تقود الليبيين نحو صناديق الاقتراع،
أو أن تُستنزف وتُقوض لتبقى البلاد رهينة صراع مفتوح بلا أفق.

وما بين هذين الخيارين، يبقى السؤال معلقًا:
هل تمتلك القوى السياسية الجرأة الكافية للانحياز إلى مستقبل ليبيا، أم أن التشبث بالسلطة سيظل أقوى من إرادة التغيير؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»