Atwasat

أش عليك يا غول!

محمد عقيلة العمامي الإثنين 27 أكتوبر 2025, 12:40 مساء
محمد عقيلة العمامي

أعلم قولا متداولا يرى أنه ثمة كلمات،إن لم نقل كلها، هي كالكائن الحي، تولد وتحيا وقد تموت، وبالطبع نحن نعلم أن بعضها قد يتبدل أو يتغير معناها، ولكنها المرة الأولى التي تصادفني كلمة يتغير معناها تماما، حتى تصبح موضوعا لكاتب كبير، وهو الأستاذ عباس محمود العقاد! الذي وصلته رسالة من أستاذ جايله، اسمه علي محي الدين، نصها كالتالي: «تستعملون في كتاباتكم كلمة (الفنان) بمعنى الرجل الفني أو المتفنن، لكنها في اللغة تعنى (حمار الوحش)! وقد نبه إلى ذلك بعض الباحثين في اللغة، وقرأنا هذا التنبيه مكررا في إحدى صحفنا اليومية. فما هو الوجه الذي تعولون عليه في استعمال هذه الكلمة؟ وهل لكم أن تخصصوا مقالا من مقالاتكم في مجلة (البلاغ الأسبوعي)، لبيان رأيكم في الكلمات التي ينكرها أناس من أنصار القديم، وهي دارجة في كتابات الأدباء؟».

ويبدو من السياق أنها وردت في مقال للأستاذ الذي ذكرته، وكان عنوانه «الفنان أو معاني الكلمات» نشر يوم 1 يونيو 1928!

ولقد أسهب الأستاذ الكبير عباس العقاد مُبرزا أن كلمة «الفنان» من الكلمات المشتقة وليست من الكلمات الجامدة التي وضعت في أصل اللغة لاسم لا تنصرف عنه كـ«الفراس»، التي تقال للأسد، وتقال لكل من يفترس مثله. وجاءت تسمية حمار الوحش «الفنان» بسبب أنه كثير الخطوط، واعتبارها أصل الفن، وبالتأكيد يقصد الفن التشكيلي، وهو الخط واللون، ومنه التفنن والتزويق، لذلك سمي حمار الوحش «الفنان»، لأنه كثير الخطوط، أو كثير الفنون.

الحقيقة ما شدني لهذا الموضوع هو ما أسهب في تفسيره الأستاذ الكبير المرحوم عباس العقاد، حيث أورد على سبيل المثال أن العرب تعنى بكلمة «كتب» ربط أو قيد! وهكذا فمعنى الناقة «المكتوبة» هو الناقة «المربوطة» أو «المقيدة»! ويقول الأستاذ العقاد إنه لما عرف العرب الخط والتدوين سموا هذه الصناعة «كتابة»! لأنها تُقيد الكلام، أي تربطه، فلا يضيع بنسيانه بعدما قيدوه وربطوه بقواعد! لذا الكاتب عندهم هو الرابط الذي ربط كلامهم واتفاقهم عما قيل. وعليه، فإن قيد المعلومة هو ربطها، اتفاقا كانت أم مجرد شعر قاله شاعر، فقيدوه له!

ثم من العرب الأولين من كان يفهم اللباس الجديد هو المقطوع، لأنهم يبتاعون القماش ثم يقطعونه - أي يفصلونه - ويجعلون منه ثوبا جديدا، فأصبح الجديد وصفا لكل حديث ظريف.

والخلاصة أن اللغة كائن حي، ولأنها كذلك فهي عرضة للتصرف بالزيادة أو النقصان أو التعديل، وتظل كذلك إلى أن تتجذر في أرض اللغة، فيعيش منها ما هو قابل للحياة، ويموت منها ما هو غير قابل لها.

فمثلا ، في ستينيات القرن الماضي، وفي نادي الهلال الرياضي عندما كان مقره بشارع عمرو بن العاص ببنغازي - في الطابق العلوي من عمارة «التيتلي» - وكان قريبا من شوارعنا نحن «صبيان» وشباب ذلك الزمن الجميل، جاء فريق الاتحاد الطرابلسي لكرة القدم، ولعب مباراة ودية مع فريق الهلال، وكان اللقاء وديا وجميلا.

وفي المساء بالنادي طُلب من الفنان الجميل سلام قدري، الذي كان أحد أفراد الفريق، وكان حينها مطربا مشهورا، أن يغني، فغني أغنية «هايم بيك وعيوني سهارة» قبل أن تُذاع في الإذاعة الليبية. وفي تلك الليلة سمعنا كلمتين جديدتين عاشتا طويلا، ولكنهما ماتتا، حيث لم تصل إلى هذا الزمن، وهي «أش عليك يا غول»، ورددها إخواننا الضيوف.

و«أش عليك يا غول» جملة كاملة، فـ«أش عليك» كانت تقال حينها في طرابلس للتعبير عن الإعجاب. أما يا «غول» فتقال للتكبير والإعجاب بالشخص الذي يخاطب بها. ولقد عاشتا فترة، وانتقلتا من نادي الهلال، وأصبحتا متداولتين في بنغازي لزمن، ولكنهما ماتتا!

والعجيب أنه في تلك الفترة انتشرت كلمة «خارب»، التي كانت تعني «جيد أو جميل للغاية»، على الرغم من أن «خارب» كانت تُطلق عما يفسد من أكل على سبيل المثال! فقصص (الكلمات) عجيبة للغايه، وباختصار شديد هل هناك قصص بدون كلمات، خصوصا الحية منها!؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»