Atwasat

كلام سالف الأيام!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 23 سبتمبر 2025, 01:13 مساء
أحمد الفيتوري

1-
إن التحديد العلمي والموضوعي للمفاهيم، هو الذي يفرق بين الناقد المبدع وبين المبدع للشعر أو القصة وما إلى ذلك، المهم أن هذا الانشغال طرح عليّ مشكل ما يمكن تسميته بإشكالية الهوية! هوية هذا الشعر، هل هو شعر أم لا، من أين يجيء الشعري فيه... إلخ، هوية هذا النص هل هو عمل سردي، أين تكمن هذه السردية وما علاقة هذه السردية بموضوعها، ومن ثم علاقات النص أو الكتابة بمكوناتها الأولى، أعني بما قبل الكتابة مما يشف به النص، وهذا يطرح على كل ناقد مدقق. ومشكل الهوية الذي يطرح نفسه بشكل وبآخر من خلال مفاهيم وعلاقات يكشف عنها النص، الذي يطرح مفهومية ما للهوية أو لهويات ومفهوما ما للحداثة أو للحداثات، وتكون دلالات النص محملة بالعلاقة بين هذين المفهومين.

ومن ذاك فإن العمل الإبداعي هو نفسه عمل نقدي، النص الشعري أو السردي محمل برؤية نقدية، أي كاتب قصة عندما يكتب هذه القصة، يكتبها من خلال رؤية نقدية للنصوص الأخرى، بما فيها نصوصه، فالمبدع يحاول أن يكتب نصه هو، أن يكتب سرده، يكتب قصيدته، بالتالي تكمن في كل كتابة رؤية نقدية ما، ولما يأتي الإعمال النقدي التحليلي للأعمال النقدية، فإن الناقد من جهته يحاور تلك الرؤية النقدية، الكامنة في العمل الإبداعي والمشار إليها.

وبالتالي فإني أتصور أن النقد قائم في كل ثقافة مبدعة، وقد تغيب النظريات النقدية المقننة لكن لا تغيب الفاعلية النقدية، والنظريات النقدية بطبيعتها تهتم بالعام بالكلى، ويمكن أن يوجدها مفكر وباحث كبير في أي مكان من العالم، وبالتالي يمكن دراستها والاستفادة منها وتوظيفها لدراسة نص ما.

فالنظريات النقدية أو المناهج النقدية، ليست بالضرورة أن تكون في البلد (س) أو البلد (ص)، أو تكون عروبية الأرومة!، كما يدعى العروبيون، أي نظرية خالصة خاصة عربية قحة!، هذه نظرة عرقية ضيقة الأفق وعقيمة، ومصدرها الأول المثالية الألمانية، مصدر ومرجع الأوصولية الدينية والقومية.

العلم لا وطن له ولا جنسية ولا أوهام هوية له، فالمناهج النقدية مناهج علمية، رغم هذه الحساسية العرقية التي ظهرت من أثر (المركزية الأوروبية)، بحيث سميت دراسات بأنها دراسات نقدية أوروبية. وهكذا لا فاعلية إبداعية دون فاعلية نقدية، فالمبدع الناقد الأول والناقد مبدع بالضرورة.

2-
إني أمارس النقد من منطلق أساس أن: (النص الذي لا تستطيع أن تتعاطف معه لا تستطيع أن تنقده)، فالنص النقدي لا بد أن تربطه وشائج بموضوعه، وبالتالي فإن ما كتبت عنه من الإبداع بيني وبينه الكثير من الوشائج.

أنا قارئ للشعرية الليبية منذ نعومة أظافري، وأحب أفراد هذه القبيلة محاربي القبلي، بشراسة ونعومة محب الحياة ومتصوفها، ولقد بدأت دراسة هذه الشعرية منذ سنوات، خاصة عقب مشروع انبرى له الأستاذ يوسف الشريف – يوم كان رئيس تحرير مجلة الفصول الأربعة في فترة رئاسة الأستاذ أمين مازن لرابطة الكتاب الليبيين – وهو إعداد موسوعة ديوان الشعر الليبي، وكونت لجنة من أجل ذلك أعضاؤها: مجاهد البوسيفى وفرج العربي ومفتاح العماري وإدريس المسماري وعمر الكدي.

وقد اعترضت في حينها على تواجدي في اللجنة لكن تحت إلحاح الأصدقاء قبلت، في النهاية مثل كل عمل ليبي جماعي تصرمت الجماعة، في هذا الوقت وصلتني رسالة خاصة، من الصديق الصدوق الشاعر سعدي يوسف، لأجل المشاركة في موسوعة للشعر العربي الحديث، أي منذ النصف الثاني للقرن العشرين، تستهدف (دار المدى) القيام بها، وقد طلب مني العمل من أجل إعداد المادة الليبية في الموسوعة، ولما كنت بدأت واصلت العمل، لكن مشروع (دار المدى) انصرم أيضا.

ومن ثم واصلت عملي مفرداً، بحثاً ودراسة لمرحلة الشعر الحديث في ليبيا، منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين. منذ قصيدة التفعيلة ومقدماتها التنظيرية وقصيدة النثر، أي بحث في الحداثة الشعرية، حيث إن الحداثة لا تزال في كثير من ملامحها أدبا، وأنها لا تزال تقبض على تلك الجدة التي تبعث على الذعر والقلق، ولا تزال مشوبة بالنزعة إلى الخصام، ومن الصعب أن ينأى المرء عنها بتجرد، ومن العسير أيضا أن يتحدث عنها.

لهذا حاولت أن يكون بحثا في التعين لا في المصطلح، وقد اخترت أو تخيرت من خلال البحث والقراءة عشرة شعراء، اعتقدت حينها أنهم يمثلون هذه التجربة الشعرية الحداثية، ويتقاطعون مع مفاهيم شعرية سادت، إنهم حالة القلق والتوتر في الشعرية الليبية وبالتالي العربية.

كان البحث على المستوى العملي: دراسة عامة ومدققة في الحالة الشعرية الليبية، ثم دراسات مفردة لكل شاعر على حدة: رجب الماجري، علي صدقي عبدالقادر، علي الرقيعي، جيلاني طريبشان، محمد الفقيه صالح، عاشور الطويبي، فرج العربي، مفتاح العماري، فرج العشة، وثلاث شاعرات باعتبارهن حالة شعرية واحدة: فاطمة محمود، خديجة الصادق، مديحة النعاس، ومن ثم مختارات لشعر كل شاعر، وفي الختام مختارات من الحالة النقدية الشعرية الليبية، مع بعض الوثائق التي ترصد هذه المرحلة الشعرية الحداثية.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»