يُنسب إلى مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، بريجينسكي، قوله إن الناخب الأمريكي لا يمتلك القدرة على استيعاب تعقيدات سياسات الطاقة، ولذلك فإن على الساسة أن يوفروا له بدائل تبريرية تبسط المشهد وتسوغ اختياراتهم. هذه المقولة، وإن بدت عابرة، تمثل مدخلا لما عرف في مطلع تسعينيات القرن الماضي بسياسات ما بعد الحقيقة؛ على الرغم ممن يعتبرها قديمة، هي سياسات تقوم على إبعاد المواطن عن جوهر الوقائع وإشغاله بمسائل ثانوية ذات طابع انفعالي أو عاطفي، بحيث تتحول الحقيقة الصلبة إلى مجرد ظل في الخلفية، بينما تتصدر المشهد روايات تستدرج الوجدان أكثر مما تخاطب العقل.
لقد أثبت الإعلام المعاصر، ولا سيما مع الطوفان الجارف لوسائل التواصل الاجتماعي، براعة فائقة في ترسيخ هذه الآلية؛ إذ غدت إدارة الرأي العام أقرب إلى صناعة «انفعال جماعي» من كونها بحثا عقلانيا عن حلول. ولا غرابة أن هناك من وصف الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 بأنها نموذج مكتمل لهذه السياسة.
والعالم العربي لم يكن بعيدا عن هذا النمط من توظيف «ما بعد الحقيقة». يكفي أن نستحضر لأهميته التاريخية ما روج عقب هزيمة 1967 حول «ظهور السيدة العذراء في حي الزيتون بالقاهرة»، حيث تحول الإيمان الشعبي إلى ملاذ عاطفي بديل عن ممارسة النقد الذاتي وتحليل أسباب الهزيمة بعمق.
وفي السياق الليبي، نجد أن الخطاب العام كثيرا ما يشغل بكثير من الموضوعات والملفات، مع تقديرنا المسبق لها، مثل الاتجار بالبشر، وتهريب المهاجرين، والجرائم المرتكبة منهم أو ضدهم، وما يتفرع عنها من قضايا حقوقية وإنسانية، وتعقد الندوات والجلسات وتنشط المنظمات والدوائر الخارجية في هذا النشاط وهي قضايا لا نقلل من أهميتها وخطورتها، لكنها قد تمثل قشرة سطحية تخفي وراءها جوهرا أخطر لمشروع التوطين، كجريمة استراتيجية تسير بهدوء في حق الوطن، بينما يُغرق الرأي العام في التفاصيل الهامشية.
إن مسؤوليتنا تفرض علينا اليقظة الفكرية والسياسية معا: أن نميز بين الفروع والجذور، بين العرض والمرض، وألا نسمح بتشتيت انتباهنا عن القضايا الوجودية التي تهدد الكيان الوطني ذاته. ومع إدراكنا للبعد الإنساني المأساوي لمعاناة المهاجرين، وللمسؤولية التاريخية التي تتحملها القوى الاستعمارية السابقة في تخريب بلدانهم ونهب ثرواتهم، يبقى الواجب الأسمى هو حماية الوطن من أن يتحول إلى مسرح لتصفية حسابات الآخرين أو مستودع بشري يُراد فرضه علينا باسم الإنسانية.
فالسياسة الرشيدة ليست انفعالا وقتيا، بل رؤية عميقة تستشرف المخاطر وتضع استراتيجيات استباقية. ومن هنا، يصبح من الضروري صياغة سياسة وطنية واضحة وحازمة تجاه مسألة التوطين، تُعلي من شأن السيادة، وتؤكد أن الانشغال بالهامش لا يجب أن يحجب عنا إدراك لب الأزمة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات