Atwasat

ليبيا والثقافة في «صالون الياسمين» بدرنة!

سالم الهنداوي الخميس 14 أغسطس 2025, 12:32 مساء
سالم الهنداوي

في ليبيا، ما تفرّقه السياسة تجمعه الثقافة.. فبالرغم من مماحكات السياسيين على مصيرها المجهول منذ خمسة عشر عاماً، وما تخلّلها من حروب واغتيالات وإقصاءات لوطنيين، وسيطرة ميليشيات وارتزاقيين على مفاصل الدولة، وتمكين «الجهلة» من إدارة مؤسسات الوعي والمعرفة والتنوير، كالإعلام والثقافة والتعليم، ممّا ساعد ذلك على انعدام الرؤى باستراتيجيّات المستقبل المفقود، وبات شبح التقسيم يقترب بفعل أخطاء جُل السياسيين وحماقاتهم، لكن ظل المثقّف، الأديب والكاتب والفنّان والأكاديمي، رغم عدم تشكيلهم النقابي، الكيان الأهم في الدفاع عن الوطن وهُويته، وهو القادر دون سواه، برؤاه، على قراءة المستقبل بنتائج الوضع السياسي السيئ الذي وصلت إليه البلاد.

في المبادرة الصغيرة بإمكاناتها، والكبيرة بطموحاتها. تنادى مثقفون وطنيّون لدعوة الشاعر الكبير «عبد الحميد بطاو» مؤسِّس «صالون الياسمين» الثقافي الأهلي بمدينة درنة، وحضرت قامات ثقافية، شعراء وروائيّون ونُقّاد وفنانون وإعلاميّون، من أنحاء ليبيا، يحيون «الثقافة» التي كادت تموت بفيضان «الدانيال السياسي» الذي تعيشه البلاد طولاً وعرضاً.

في تكريم شاعر درنة الكبير «علي الخرم» استقبل «الدراونة» بحفاوتهم وبعناقيد الياسمين خلال يومي الأحد والإثنين الماضيين، نخبة من مثقّفي ليبيا، جاءوا بأحلام الوطن وتاريخه التليد، ليبنوا جسور المحبّة والإخاء الوطني، وليصلحوا ما أفسدته وتفسده السياسة في العلاقات الاجتماعية الأصيلة بين الليبيين، شرقاً وغرباً وجنوباً، فكان الوطن «ليبيا» هو ملتقاهم في درنة الزاهرة الزاهية، المدينة الجميلة الوادعة التي تعرّضت لأعنف كابوسيْن في تاريخ ليبيا الحديث «داعش ودانيال».. لكنّها نهضت من ترابها لتحيا من جديد.

في غياب «المشروع الثقافي الوطني» ومؤسسات الدولة الراعية للثقافة، كانت المبادرة الشخصيّة من الشاعر عبد الحميد بطاو وشعراء درنة، صائبة بصدق النوايا على استنهاض المشهد الثقافي بكل الوسائل الممكنة، فتنادى عدد من مثقفي ليبيا لهذه الدعوة، والتقوا جميعهم على حُب ليبيا شاهرين قصائدهم من سواني درنة الفيحاء، وكان الترحاب الدرناوي وكرم الضيافة عنواناً كبيراً على باب «فندق هارون» الصغير بوسط المدينة الذي تبرّع باستضافة ضيوف درنة، مّا شكّل ذلك قيمة إضافية على أخلاق المبادرة الشخصية في خدمة القضايا الوطنية النبيلة.. فالسيّد «رمضان هارون» لم يستقبل حزباً سياسياً قد يظن البعض أنه سيستفيد من نفوذه والتقرّب به، وإنما استقبل مثقّفين وطنيين جاءوا إلى درنة على نفقتهم الخاصة، في حافلات وسيّارات أجرة، وتكبّدوا عناء السفر من صبراتة وطرابلس وسبها وسرت وأجدابيا وبنغازي وطبرق والمرج والبيضاء، من أجل المشاركة في إحياء المشهد الثقافي، بالكلمات في حُب درنة، وتكريم شاعرها الكبير الراحل علي الخرم.

جاء في كلمتي الافتتاحية للدورة الخامسة: يطيب لنا في هذا المساء أن نحيا في «بيت الياسمين» الذي شتّله الشاعر الكبير «عبد الحميد بطاو» قبل أعوام، ليبقى في ذاكرة المدينة عنواناً لكُل شاعرٍ يمرُّ من هنا بقصيدةٍ يانعة في حُب درنة.. وسيكون «بيت الياسمين» مفتوحاً لكُلِّ عاشقٍ يمرُّ من هُنا، يحتفي معنا بتربة المكان الساكن فينا، وبصوت خرير مياه السواقي الذي علّمنا أن نحيا بلا ألم، وبهديل اليمام الذي كان في سلام الشعر والأمل.

التحية لروح الشاعر الكبير علي الخرم الذي حمل لنا «سلة الأنغام» في العام 1973، وكان «في انتظار الإنسان» عام 1976.. غير أن «الجوع في مواسم الحصاد» في العام 1984 كان هو عنوان تلك المرحلة بظلال أوجاعها في الكتابة، شعراً ونثراً وسرداً.. وهي دارجات الشاعر اليومية، ونمنماته الباذخة في قصائد مجموعاته الشعرية الثلاث التي فاضت في زمنِ سكون، كان فيه الحرفُ حاداً كرأس دبّوس، وكان الخرم رفقة جيلٍ من الشعراء النُبلاء يَجنون القصائد في المواسم كما الثمار، ونحسبهم أجادوا كتابة الشعر دون تمريق ولا تزويق، ساطعون في ظِلال الرحلة الحقيقية مع الكلمات.. ومن مشقّات الرحيل عادوا إلى درنة، مأواهم الأخير.. عادوا إلى بيت الياسمين، فلهُم الحُبُّ والقصائدُ والذكريات.

هذه درنة كما شاءت أن تكون عبر التاريخ، بلادَ الفرحِ، بأشعارها وموسيقاها، وبتيماتها الأندلسية الرغداء.. تنامُ على صوتِ شلّالها البديع وخرير المياه في سوانيها الفيحاء، وتحلم بالصباح الذي لاح من جديد على أغصان العرائش اليانعة وامتشق الضوء ياسمينها الأبيض في يوم تحريرها من أسر الغاشمين أعداء الحياة.

ولأنها مدينة الحياة بامتياز عبر كُل العصور، لم تهزِم روحها الرايات السود، فسرعان ما عادت يمامات درنة إلى نخيلها الباسق، وعاد طوق الياسمين يستقبل أحبابها على أبواب بيوتها وأسواقها ومسارحها ومنتدياتها الثقافية، ولتعلو حناجر أطفالها في كُل صباح تغنّي «درنة يا جنّة الأزهار» ولتستعيد بناتها المتألقات تلك الضحكات البريئة أمام مدرسة «الزهراء»، وليفوح النعناع من سوانيها اليانعة يغمر شذاه شارع «حشيشة» وشارع «الأسطى» ليضيء شارع «الفنار» على هدرزات النساء في المساء، ويعتلي الكهول مصطبة «الصرواحي» في سيرة درنة القديمة التي عبرت الأزمنة بأفئدة الذكريات والحنين الدائم لعشيّات سوق الظلام حيث نداء الدلّالات وبائعات المسك والزهر والعنبر، وحيث ابتسامات عمّنا «أنور الطرابلسي» بوجهه العريض الباسم وهو يخيط القماش في سوق الظلام كما يخيط الكلمات في مسارح درنة.

عاد ماء الزهر يفوح من جديد على عتبات البيوت، وشقيقات الحياة المبتهجات يطللن من الشبابيك على رقصة الطفلات تحت داليات الأزقة، وفي تلك الشرفة العالية المزدانة بعناقيد الياسمين كانت مجرودة «مصطفى البتير» تأخذ مداها في الهواء المسروح تمضي إلى مسامع العاشقين في مساء درنة الفن والجمال.

كانت درنة عنواناً حضارياً لليبيا، وكان شلّالها وشوارعها القديمة مزاراً للفنّانين والمثقفين العرب الذين بمجرّد استقبالنا لهم في بنغازي أو طرابلس يسألون عن درنة، فيكون لزاماً علينا ترتيب الزيارة لها لنسعد مع ضيوفنا باستقبالات الحُب الكبير من أهلها ومثقّفيها.. واليوم، وبعد سنوات الجفاء، ماذا عسانا نقول لضيوفنا، وقد عادت درنة إلى ذاكرة الياسمين؟!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»