من المؤسسات الليبية التي أسهمت في تحديث المجتمع الليبي، كان المسرح، والذي كان من مؤسسات الريادة الحقيقية في ليبيا، بل قد لا أبالغ إن قلت إنه كان من أهم مؤسسات التحديث التي أسستها النخبة الليبية كأداة للتعليم والتنوير، كان ذلك بالطبع إلى جانب الحركة الكشفية، والأندية الرياضية الثقافية وغيرها الكثير من المنظمات والمؤسسات ذات الطابع الأهلي التي بدأت تتأسس منذ العهد العثماني الثاني والعهد الإيطالي لتشهد نقلتها المهمة في عهد الاستقلال وتأسيس الدولة الليبية المستقلة والحديثة، لتكون ركنا مهما من أركان المجتمع الليبي الحديث وأداة مهمة وشريكا في معركة التأسيس والنهضة.
المسرح كنشاط ثقافي وكفعل نهضوي، انتشر بشكل لافت منذ العهد الإيطالي، رعته وقدمته المدارس والأندية والجمعيات الأهلية في احتفالاتها وإحياء المناسبات الدينية والوطنية، ومع إعلان الاستقلال ترسخ المسرح كنشاط ثقافي مهم وأساسي في المؤسسات التعليمية، وتحول النشاط المسرحي في المدارس إلى ركن مكمل لعملية التربية والتعليم.
المدرسة كانت الرحم الذي زرع فيه المسرح، لتتم رعايته وترسيخه وتنميته بين طلابها، كانت تربية المواهب ورعايتها كممثلين وهواة تأليف وكجمهور للمسرح، فغالبية تلاميذ تلك المرحلة شاهدوا المسرح للمرة الأولى في المدرسة، المدرسة كانت مؤسسة المسرح الأولى في ليبيا وحاضنته الأهم.
المسرح كمؤسسة أخذ شكل الفرق الأهلية التي انتشرت وازدهرت فترة ستينيات القرن الماضي، وكان المسرح المدرسي أهم معد لتلك الفرق بالمواهب الجديدة، غالبية المسرحيين الليبيين جاءت من المسرح المدرسي.
في سببعينيات القرن الماضي شهد المسرح المدرسي ازدهارا لافتا، فكانت لكل مدرسة ثانوية فرقة مسرحية تقدم عروضها المسرحية لطلابها وضيوفها، ليقام مهرجان مسرحي لمدارس المحافظة والفرقة الفائزة تمثل محافظتها في المهرجان الوطني للمسرح المدرسي.
المهرجان الوطني يقام في العاصمة طرابلس، وتلتقي فيه فرق المحافظات، ويتسابق طلابها المسرحيون على جوائز المهرجان الوطني.
كانت المدارس تستعين بمخرجين متخصصين، ليشرفوا على تدريب وإعداد فرقها المسرحية المدرسية، كل ذلك أنتج مواسم مسرحية للمدارس وطلابها على صعيد المناطق والمحافظات، ليتوج كل هذا الموسم كل عام بمهرجان المسرح المدرسي الوطني.
إدارة هذه المواسم تولتها «إدارة النشاط بالتعليم» حيث كان ثمة إدارة خاصة بالنشاط المسرحي، تتولى الرعاية والدعم وتنظيم تلك المواسم.
مع ثمانينيات القرن الماضي وفي أواخرها بالتحديد بدأ الانهيار وتخلت المدرسة أو بالأحرى عجزت عن مواصلة دورها التربوي والتعليمي كاملا، فتخلت عن الموسيقى والمسرح والرسم والعلوم، ليستمر هذا التخلي حتى الآن.
في مصراتة، وقد كانت أحد مراكز المسرح الليبي المهمة، تأسس ونما المسرح في المدارس، وكانت المدرسة كما كانت في كل حواضر ليبيا، المؤسسة الأهم في رعاية المواهب المسرحية وتنميتها، إلا أنه وكما في كل ليبيا أهمل المسرح المدرسي حتى مات، وصار في طي النسيان كما يقال، حتى هذا العام وهذه الأيام بالتحديد حيث يعود للحياة المسرح المدرسي برعاية مؤسسة مسرحية عريقة هي «المسرح الوطني مصراتة» الذي عاد أيضا للحياة بجهود أبنائه في مصراتة وعلى رأسهم الفنان نور التير، وداعميه من رواد هذا الفن بالمدينة، يعود لدوره الرائد في تكوين ورعاية الموهوبين، والبحث عنهم حيثما وجدوا، والأهم في المدارس، لتعود فرق المسرح المدرسي لتقيم مهرجانها على مستوى مصراتة، على أمل أن تكون حاضنة لمهرجان المسرح المدرسي الوطني في القريب.
تجربة المسرح الوطني مصراتة لافتة ومهمة، فقد تحول هذا المسرح إلى مؤسسة تقدم خدماتها لقطاعات التعليم والثقافة، وتسهم كحاضنة لكل مناشط التنوير والنهضة رغم ما تشهده البلاد من انهيار وتفكك لكل المؤسسات.
الثقافة ومؤسساتها من مسرح وكتاب وموسيقى فنون ومراكز دينية، أهم أدوات البناء التي لا تزال غير معروفة من المخططين وأجهزة التنفيذ الليبية، بينما ينغمسون وبإخلاص شديد في تنمية ورعاية أدوات الموت والخراب.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات