يتفق إنجازي لهذا المقال ووضعه أمام المتلقي مع الخامس والعشرين من مايو، اليوم الذي دخل فيه تاريخنا العربي الحديث لأكثر من خمسين سنة ونيف من القرن الماضي عندما بَثَّ راديو الخرطوم ما كان يُعرف بالبيان رقم (1) لتتوالى بعد ذلك ما تأتي به الأقدار من البيانات المترتبة بالضرورة على حظر التجوال ومن ثم ترتيب حركة الناس طبقًا لاحتياجاتهم وما قد يُكَلَّفون به من الخدمات العامة والخاصة، تناديًا للتحرك غير المسؤول ووجود الظروف المناسبة لذوي الميول التخريبية لتحقيق ما يطمحون إليه من الفساد استغلالًا لانشغال أجهزة الرصد.
وقد نص البيان المذكور على استيلاء مجموعة من ضبَّاط الجيش السوداني، بقيادة عقيد اسمه جعفر النميري، على الحكم في البلد المجاور الذي كان قد تصدر الأنباء العربية باحتضان أحد أهم مؤتمرات القمة العربية التي عُقِدَت عقب هزيمة يونيو 67 ورفع شعار اللاءات الثلاثة المُحَدَّدة في «لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات مع العدو الصهيوني».
أما الاستيلاء الجديد فقد أعاد إلى الذاكرة انقلاب الجنرال عبّود على أول سلطة سودانية جاء بها الاستقلال نتيجة تصويت أغلبية السودانيين على استقلال بلادهم وليس الدخول في وحدة وادي النيل التي طالما ترددت في مناهج الدراسة المصرية مع مطلب الجلاء، ففقد الاستقلال السوداني رونقه لأن عبود لم يكن هو الآخر في مستوى الأمل المُعلَّق عليه لتحقيق الوحدة والتي كثيرًا ما سُوِّقَت مخرجًا من كل المصاعب التي تشكوها الأمة العربية.
فكان من نتيجة ذلك أنْ قوبِلَ الخامس والعشرون من مايو بالنسبة لنا في ليبيا، مع قلة ما يُرصَد، بالكثير من الوجوم إذ لم يعدم من خشي انتقال العدوى خاصةً أن الجو العام كان يعاني بعض الإحباط لما دأب عليه النظام الملكي من تغيير لا يعرف التوقف لرؤساء الحكومات والتي كان آخرها حكومة البكوش والتي أجمع كل من تابع أحداث المرحلة على فداحة الخسارة التي أحدثها الملك إدريس غفر الله له بإقالتها غير مكترث بزيارة العمل التي ستشمل بريطانيا وأمريكا وربما غيرها مما يوجب الإبقاء في السلطة وليس الإخراج منها؛ فكان في ذلك ما زاد من مشاعر القلق.
وقد ضاعف من ذلك سفر الملك قاصدًا تركيا واليونان ولمدة تجاوزت عدة أسابيع فيما كانت شوارع طرابلس تمتلئ بالمناشير المعادية وبكميات لافتة حيث زاد من وقعها تذييلها بكلمة الضباط الوحدويين الأحرار، وبين القلق والتوجس وعدم المبالاة انتهى شهر أغسطس ليستيقظ الناس على البيان الذي أعلن نهاية النظام الملكي ولا تمضي سوى أيام معدودة حتى يُعلَن اسم معمر القذافي مع أحد عشر نقيبا وُصِفُوا بالقادة وكان النميري في مقدمة من اعترف بالعهد الجديد، وتوالت بعد ذلك أحداث كثيرة لها مواضعها في واجب المراجعة.
ويبقى الخامس والعشرون من مايو الذي يوافق تاريخ اليوم في حاجة ملحة إلى الدراسة الواعية والمراجعة المهمة والتي ندعو بإلحاح شديد أقسام الدراسات التاريخية والسياسية بجامعاتنا بأن تكلف بها المتقدمين لنيل شهاداتها على قاعدة أن التاريخ فوق العواطف وأن الجغرافيا أبقى من العهود ما بالك وأن اليوم المذكور والسودان دولة واحدة وأصبح نتيجة ما حدث ذلك اليوم (سودانين)، والحرب الأهلية لا تتوقف بمكان حتى تتجدد على نحو أكثر شراسة من سابقتها ولا يأتي إلينا نحن الليبيين إلا ما هو سيئ قولًا وعملًا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات