Atwasat

جيتار بويصير

سالم العوكلي الإثنين 08 ديسمبر 2014, 11:52 صباحا
سالم العوكلي

بدأ ربيع الشارع العربي في تونس، ومن تونس خرج هتاف عربي جديد، هتاف نثري تحول إلى أغنية ترحل بين العواصم: الشعب يريد إسقاط النظام. فأقلعت طائرة على متنها زين العابدين محلقا في فضاء يضيق به، هاربا يبحث عن ملاذ.

ولأن كل إبداع أصيل، يولد في الأطراف، لا يزدهر أو يشتهر إلا في مركز الأمة، انتقلت الثورة إلى ميدان التحرير لتصبح في تلك اللحظة فرجة العالم ومصدر إلهام شبابه، وتحول ميدان التحرير إلى مهرجان غنائي يستعيد شجن وأغاني الأيام الخوالي حين كانت مصر ملاذ العروبة وحاضنة مواهبها، كما اكتظ الميدان بروح الفكاهة والنكتة التي قاوم بها المصريون صلف الحكام، من الفرعون إلى مبارك.

حدق الليبيون في هذا الربيع وهو يقفز من حدودهم الغربية إلى حدودهم الشرقيةـ. قفز مثلما قفز شعر الشابي، ومثلما قفز بيرم التونسي بشعره، دون أن يلقيا نظرة على هذه الأرض الشاسعة، وفيما بعد، وبفضل ثروة سوداء انبثقت لدينا، أصبحت ليبيا مرئية، ومحطة مؤقتة لجمع تذاكر الدخول إلى عالم الشهرة عبر القاهرة، فمرت من هنا لطيفة العرفاوي وذكرى والكثيرون في طريقهم إلى مدينة ميدان التحرير.

الربيع العربي قفز، هذه المرة كما، قفز بيرم التونسي، وترك الليبيين تحت قسوة النكت السياسية، التي تتمحور كلها حول هذا الشعب الجبان النائم بين شعبين ثارا على الطغاة، فطُعن الليبيون في كرامتهم، وهم القوم النرجسيون حتى النخاع، وما زاد هذه الطعنة تصريحات طاغيتهم المحلي الذي كان يكرر: ليبيا ليست تونس ولا مصر.

لكن الأمل بدأ في ليبيا عبر الفيس بوك الذي حدد نشطاؤه يوم 17 فبراير يوما للانتفاضة، في محاكاة تقليدية وتاريخية لكل ما تقترحه مصر للقبائل القاطنة غرب حدودها.

وبدأ الحراك في ميدان المحكمة ببنغازي، وانتقل إلى ميادين مدن أخرى في الشرق والغرب، ولأن ليبيا، فعلا ليست تونس ولا مصر، سرعان ما انتقل الحراك إلى الجبهات، وحين وصل مراسلو الميديا الدولية متأخرين، أخذوا يركضون بين الجبهات وسط الخطر، وتحولت الميادين إلى مكان فقط للزغاريد والخطب الحماسية التي تبث الحماس في المقاتلين كي لا يتراجعوا.

كان القذافي، الذي أطلق سراح السجناء الإسلامويين في اليوم الأول من الحراك، يكرر لوسائل الإعلام الدولية: هذه ليست ثورة.. كايدة كايدة. وكان إعلام فبراير المتحمس يؤكد للعالم أنها ثورة شعب برمته، يريد حريته، وكرامته، ودولته المدنية، ولا وجود للقاعدة في ليبيا، وكان صحفيو العالم ومخابراتهم يتسكعون وسط هذه الجبهات لمعرفة حقيقة ما يحدث.

بدأ الفصل الجنسي بين النساء والرجال في الميادين، ثم بدأ وضع أسيجة حديدية حول النساء، ورويدا اختفت النساء من المشهد، فازدادت الخطب الذكورية حماسا وتلاشت الحناء والزغاريد

في تلك الفترة كان مشهد المقاتل، مسعود بويصير، الذي يحمل جيتاراً ويغني في الجبهة، أيقونة الليبيين وصك براءتهم من شبهات تلاحق ثورتهم الأولى. جيتار بويصير وأغنيته الشهيرة: سيبقى وطني قوياً.. سيبقى وطني حراً، أصبح ملصق الثورة الليبية، والخبر العاجل على شاشات العالم المأخوذة بالنشاز والطرافة. وكان صوت الجيتار هو النغم النشاز وسط معزوفة من الرصاص، وهذا النشاز هو تعويذة الليبيين تجاه أي تشكيك في حداثة ثورتهم وفي جمالها الذي لا يريدون شيئا يعكر صفوه، وكنا نقنع أنفسنا أن جيتار بويصير لم يكن نشازا، أو وهما، أومجرد تعويذة ثورة ترتجل أهدافها، مثلما ترتجل خطاها صوب المعقل الأخير للطغيان.

كان الجيتار، الآلة الغربية، رسالة عودة إلى العالم الذي ناصبه النظام العداء، وأحرق في يوم لا ينسى الآلات الموسيقية الغربية في ساحته الخضراء. الكثير من سرد هذه الثورة كان يقول ذلك صراحة.

وفضلاً عما كتب على الجدران، وعما قيل في البيانات وفي وسائل الإعلام وفي الملصقات والحوارات، وما كُتب في خارطات الطرق، من تأكيد على المؤسسات والدولة المدنية والحريات، فضلا عن كل ذلك كانت لغة أخرى تتحدث بطلاقة، لغة مشهدية بمفهومها السيميوطيقي، تسرد حلم الليبيين وخطاب ثورتهم في الفترة الأولى من عمرها:
الحشود المختلطة في الميادين، رجال وأطفال ونساء، حيث كان أكثر الأشخاص محافظة يذهب مع زوجته إلى الميدان وكأنه ذاهب إلى عرس، أعلام الدول التي عاديناها لأربعة عقود ترفرف في كل مكان، صور زعماء تلك الدول حلت محل صور الطاغية المحلي، الأطلس الليبي الذي دخل الأغاني الليبية الجديدة وهي تتغنى بكل المدن، صور الملك إدريس الأول وعلم مملكته ونشيده الوطني، وصورة عمر المختار شيخ الشهداء، والثورة التي ترطن بكونها ثورة شباب لا تجد رموزا في التاريخ سوى من الشيوخ.

الحناء على أكف النساء التي تحولت إلى مناشير سياسية، قبعات شي جيفارا التي انتشرت على رؤوس الشباب، والتي تزاحمها شنة عبدالجليل الحمراء، رقصات الكشك على أرض الجبهات ممتزجة بأغاني الراب تحت سماء تحوم فيها طائرات الناتو، حضور سينما هوليود عبر نجومها الكبار، حملة جوائز الأوسكار، شون بين في بنغازي، وأنجيلنا جولي في مصراتة، خصلات شعر المحامية والناشطة الحقوقية آمال بوقعيقيص التي تلاعبت بها نسائم بنغازي وهي تتحدث في قناة الحرة رفقة أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي الذي تأثر بالمشهد والكلام، فقال : ما أسمعه من هذه السيدة الليبية موسيقى، وسوف أوصل هذا النغم إلى الكونجرس.

مشهد إيمان العبيدي وهي تزيح الفستان عن فخذها كي تُري وكالات الأنباء العالمية آثار الاغتصاب الجماعي، في مشهد درامي من دقيقتين خلب لب الإعلام الغربي، وقلب موقف جل أعضاء الكونغرس الأميركي، الذين لم تحرك مشاعرهم المجازر بقدر ما حركتها خدوش على فخذ فتاة ليبية مغتصبة، واستمر مشهد إيمان الخبر الرئيس في قناة السي إن إن لمدة شهر تقريبا. أصبحت إيمان بطلة قومية ليبية، ولأن ليبيا دائما في عجلة من أمرها، سرعان ما اختفت إيمان في مختبرات الغرب وضبابه، بكل أسرارها وأسرار تلكما الدقيقتين.

الربيع العربي قفز، هذه المرة كما، قفز بيرم التونسي، وترك الليبيين تحت قسوة النكت السياسية

كرنفال متعدد الألوان والخطابات كان في مجمله يصفي الحساب مع الأربعة العقود الماضية، سرد متنوع يقترحه اللاوعي الجماعي، كان في مجمله يكتب ملحمة لها بداية واحدة ومفتوحة لكل النهايات.

وخطابات هذا السرد المشهدي كانت تقول: ثمة ليبيا مختلفة تولد الآن، ليبيا الجديدة دولة حرية وفن، يتساوى فيها الرجل والمرأة، مقبلة على العالم الخارجي بعاطفة وقلب جديد، وبها حنين لمرحلة مازال يعتبرها أغلب الليبيين فردوسهم المفقود.

كان ثمة اعتذار بحجم هذا الوطن من مليكهم الذي أهانوا شيخوخته يوما، واستقبلوا بحشود غفيرة بديله الثائر الشاب الذي يرفع الشعار الناصري: حرية اشتراكية وحدة، ويتشدق بقضية وجدانهم: فلسطين.

وكان جيتار الجبهة الملصق الرئيس لكل هذا الكرنفال، لأنه كان في قلب العالم عبر عدساته الفضولية، وكان مشهده الرومانتيكي وسط السلاح والغبار أداة تشويش على مشاهد أخرى يغمض الليبيون أعينهم عنها من أجل أن تحث ثورتهم خطاها قدما، ومن أجل أن لا يتردد العالم في مساعدتهم على دحر ترسانة عسكرية تحت إمرة طاغية مجنون. كان الليبيون سكارى وما هم بسكارى، ومع الوقت بدأت تطير السكرة وتأتي الفكرة.

بدأ الفصل الجنسي بين النساء والرجال في الميادين، ثم بدأ وضع أسيجة حديدية حول النساء، ورويدا اختفت النساء من المشهد، فازدادت الخطب الذكورية حماسا وتلاشت الحناء والزغاريد، شُطبت المفردات المدنية من على الجدران وحلت محلها المفردات الورعة، اختقى السياسيون والقضاة والمحامون، الذين قادوا هذا الحراك في بدايته، ليحل محلهم أمراء حرب جدد، ورؤساء عصابات، تكفي ذخيرتهم من العناد والجهل لانقراض شعب الصين، تحولت الأغاني التي تتغنى بعناق المدن الليبية إلى بيانات عداء وغزو بين هذه المدن، بنغازي عاصمة الثورة ومديرتها غادرها الجميع لتخوض حربها وحيدة مع العصابات وأكداس القمامة، وطرابلس، عاصمتنا الأبدية، مشدوهة بين دعوات فيدرالية وانفصالية في المدن البعيدة، وبين غزو ميليشيات من المدن المجاورة، غادرتها الحسناء والغزالة، والبعثات الدبلوماسية، والسلطتان التشريعية والتنفيذية، ولم تبق فيها، محاصرة، سوى السلطة القضائية، من أجل أن تلغي السلطتين النازحتين.

وظل التكبير نشيد كل الأطراف، وظل (الشهداء) يسقطون من كل الأطراف، وظلت أطراف ليبيا تُنهش من كل الأطراف.

سكتت الزغاريد والأدعية.. سكت قلب مسعود بويصير، وسكت جيتاره، وظل صوت الرصاص نغم ليبيا الوحيد والنشاز، الذي يصدح في كل مكان.

«في الحرب العالمية الأولى ذاع صيت حادثة وقعت أثناء وقف إطلاق النار على الجبهة الغربية عشية عيد الميلاد. ويومها، نُظمت مباريات كرة قدم ودية بين الجيشين البريطاني والألماني. وبادر كل فريق إلى إنشاد أغاني العيد الخاصة به. وحين عزفت موسيقى «سايلنت نايت» (الليلة الهادئة)، غنى الفريقان سوياً»*.

فهل ثمة معزوفة مشتركة سينشدها الليبيون جميعا، تمزج موسيقى المالوف مع المرسكاوي مع موسيقى الجنوب العذبة؟ موسيقى تنفخ في مشاعر التسامح والحب والسلام، وليس في مشاعر الكراهية.

هل سيجمعنا نغم ليبي أصيل، مستلهم من تنوع هذه الأرض الساحرة، حين فرقتنا الأجندات والمصالح الضيقة وأحقاد الماضي؟

* منال نحاس. الموسيقى والحرب العالمية الأولى. جريدة الحياة. 13 أغسطس 2014



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»