Atwasat

برامج الترفيه في المكتب البيضوي

سالم العوكلي الثلاثاء 15 أبريل 2025, 02:42 مساء
سالم العوكلي

من المشاهد التي ظهرت في أهم وأخطر مكتب في العالم، مشهدان تابعهما العالم لمؤتمرين صحفيين عقدهما ترامب في البيت الأبيض بعد لقائه بضيفيه: الرئيس الأوكراني، ثم رئيس وزراء الكيان الصهيوني، ومن المتعارف عليه أن تُعقد مثل هذه المؤتمرات الصحفية وفق مراسم متفق عليها دبلوماسياً على منصتين يدلي عبرهما المعنيون بإيجازات عما حدث في اللقاء ويجيبان عن أسئلة الصحفيين، وعادة ما يكون الوقت المحدد لهذه المراسم محدوداً.

غير أن ترامب الخارج غالباً عن أي بروتوكولات دبلوماسية في الشكل والمضمون، أقام هذه المؤتمرات جلوساً على الصالون في حضور حشد من الصحفيين بما يشبه برامج (التوك شو) أو برامج الترفيه التي له فيها باع طويل قبل أن يخوض غمار السياسة.

كان اللقاء الأول مع زيلينيسكي حفلة (شَو) مثيرة بكل معنى الكلمة، وخارجة عن كل أعراف الدبلوماسية وأخلاق الضيافة، ليتحول الصحفيون أنفسهم إلى ما يشبه ذاك الكومبارس الذي يُستدعى لتأثيث برامج الإثارة التلفزيونية. هذا من ناحية الشكل، أما ما يخص المضمون فإن ما حدث فيهما يعكس توجهات وخطاب ونهج السياسة الأميركية في مقبل السنوات، وإذا ما تحرينا الدقة يعكس سيكولوجية هذا المكتب فترة رئاسة ترامب الذي لا يمكن تخمين مفاجآته وتناقضاته إلا عن طرق محلل نفسي خبير.

وعبر نقل حي تابع العالم ترامب ونائبه وهما يوبخان ويشتمان ويهددان الرئيس الأوكراني، ويتعاملان معه كمحققَين قبضا على مجرم في أحد مراكز الشرطة بالعالم الثالث، وهو المشهد الذي وصفه الكثيرون بالهمجي، بينما، وبغض النظر عن آرائنا المتباينة حيال الحرب الروسية الأوكرانية وتعقيداتها، إلا أن الرجل، كما يوصف، رئيس دولة تتعرض لغزو واحتلال من قبل الجارة القوية روسيا، وتحت هذا المبرر ستصبح الولايات المتحدة أكبر داعم لها.

في المشهد الثاني كان نتنياهو يجلس على المقعد نفسه الذي جلس عليه زيلينيسكي، لكن المعاملة كانت مختلفة، حيث الغزل المبالغ فيه ومديح «هذا الرجل» ووصفه بالحكمة والقيادة الجيدة، وكأن من يقبع بجانبه خجلاً من الإطراء المبالغ فيه ملاكٌ هبط من السماء، والمفارق هنا أن «هذا الرجل الطيب» هو رئيس حكومة كيان يرتكب في الأثناء حرب إبادة تطهيرية ضد شعب على أرضه، بل إنه في ذات الوقت الذي يطري فيه ترامب على نزاهة وحكمة نتنياهو، كان العشرات من الأطفال يُقتلون في غزة بأوامر ومتابعة من ضيفه المبجل، فضلاً عن كونه مطلوباً للمحكمة الجنائية بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. يعلن نتنياهو المنتشي بهذا الغزل صراحةً حربه التطهيرية في غزة والضفة، ويدَعَمه ترامب بهزة رأس موافِقة، وكان لحظتها ترامب لا يرى شيئًا إلا الريفيرا الدافئة على شاطئ المتوسط التي حلم بها فوق مقابر أطفال ونساء غزة الجماعية.

هذان المشهدان يمثلان طبيعة النظام الحاكم في أميركا الآن، وإن هذا الشكل الهزلي إطارٌ لمضمون سياسي يغيّر تماماً أولويات الالتزام الأميركي حيال ما يعتري العالم من أزمات، ويتسق مع حقيقة النظام المسيّر لأميركا منذ نشأتها، وبمعزل عن كل ما سنته البشرية من قوانين تنظم سِلمها وحروبها، فإن توبيخ ترامب لرئيس تُحتل أرضه، وتبجيله لرئيس يحتل كيانه أرضاً أخرى، يشي بمعايير هذا النظام المتجذر الذي يعتقد جازماً أن الأحكام الأخلاقية تقاس بمدى المصلحة بغض النظر عن الأسلوب الذي به تتحقق.

لكن، هل هذه الظاهرة ناشزة فعلاً عن تاريخ البيت الأبيض ومطبخه الذي يعد قراراته وفق الأيديولوجية الحاكمة التي يضعها المؤرخون تحت عنوان «البراجماتية»؟ روح الثقافة السياسية والإدارية في الولايات المتحدة، وهي كنسق فكري إحدى تجليات ما سمي الفلسفة العملية التي نشطت في أميركا خلال القرن العشرين في وجه فلسفة البر الأوربي الموصوفة بما سموه ترف الأفكار المجردة والجدل الفارغ حول قضايا غيبية، ومنطلقها النزول بالفلسفة لحل مشاكل البشر فوق الأرض بشكل عملي وإجرائي، بدل التحليق والتهويمات في مسائل تجريدية قد توجد في اللغة لكن لا علاقة لها بحياة الناس اليومية ومشاكلهم. وكأي أيديولوجيا يتم تبنيها لإدارة الدول ومجتمعاتها.

بدأت مع تعقيدات الصراعات الحضارية تتنصل من كثير من تشويقها النظري، وتذهب إلى تنقيحاتها الخادمة للمبدأ الرأسمالي ومتطلباته المتغيرة، خصوصاً إبان الحرب الباردة وصراع أيديولوجيتين تحاولان أن تتقاسما النفوذ في العالم، ومن خلال هذا التكيف مع طموحات هذه الأمة بدأت البراجماتية تقترب من تعميمات مكيافيلي ووصفاته الأخلاقية الأكثر جاذبية للطغاة وللنهم الإمبريالي، خصوصاً فيما يتعلق بالسياسة، في مخرجاتها الأخلاقية التي يشكل الآن ترامب ذروة تجلياتها في رؤيته لأساليب إدارة الصراع، وتبدو تصريحاته وأساليب تعامله مع الآخرين وكأنها مقتبسة حرفياً من رؤى مكيافيلي الذي يفرد له الفيلسوف نايغل وربرتن فصلاً ضمن كتابه «تاريخ موجز للفلسفة»، ورغم حضور هذا الاسم كمعادل للشر الذي يجب أن يقود الدولة أو الدولة التي يجب أن تقود العالم.

فبالنسبة لمكيافيلي قد تكون عطوفاً ورحيماً في حياتك الشخصية وتثق فيمن يحيطون بك، لكن حين تقود دولة وتستمر على نفس النهج فإن ذلك يشكل خطراً عظيماً على سلطتك ونفوذك، ويضرب وربرتن مثلاً برئيس الوزراء البريطاني، تشامبرلين، الذي صدّق وعود هتلر بعدم الرغبة في توسيع أراضيه، وبالمثال نفسه، يمكن أن نضرب المثل نفسه حين صدّق الناخبون العرب والمسلمون الأميركيون وعود ترامب بوقف الحرب في غزة فوراً أثناء حملته الانتخابية ودعموه، فصدمهم بتنصله من وعوده.

والبدء في سياساته المتطرفة حيال غزة التي تجاوزت حتى خيال وطموح نتنياهو الذي لم يخطر على باله أبداً تحويل غزة إلى منتجع سياحي بعد طرد سكانها. وكما يقر وربرتن في فصله عن رؤية مكيافيلي بأنه يفضل أن تكذب وتخلف الوعود وتتخلص من خصومك بأي وسيلة فعالة تراها، مقتبسا جملته التي تشترط على الحاكم «أن يتعلم كيف لا يكون خيّراً» وهو منحى طبقته نظم ديكتاتورية حتى في أصغر الدول، لكن بجعله أحد أسس البراغماتية أصبح ملهماً لسطات الدول العظمي الديمقراطية في تعاملها مع الآخرين، وقد اختلف مفكرو السياسة في نظرتهم لأخلاقية ما يطرحه كتاب الأمير، فالبعض اعتبره شراً خالصاً أو «دليلاً لرجال العصابات»، وآخرون رأوا فيه الرؤية الأدق لما يحدث فعلاً في السياسة.

البراجماتية أطروحة فلسفية بدأت مع الفيلسوف الأميركي بيرس في نهاية القرن التاسع عشر، لكن من حوّلها إلى نظرية عامة في فنون السياسة، وليام جيمس، لا سيما في طرحه لمفهوم الحقيقة الذي تداولته الفلسفة قروناً، بقوله إن الحقيقة هي ما يعمل (Work).

بمعنى أن أي ما من شأنه أن يفضي إلى نتائج، أو ما أرغب فيه هو الحقيقة، فإذا ما كان اعتبار ترامب لحرب الإبادة في غزة دفاعاً مشروعاً عن النفس فستصبح هذا الرغبة هي الحقيقة التي تحدد تقييمه لهذا الوضع، وحتى التصريحات المتناقضة تأتي من هذه الخلفية لمفهوم الحقيقة، فما كان حقيقة يوم الأمس لأنه (يعمل)، ربما يكف اليومَ عن ذلك وتحل محله رغبة أخرى/ حقيقة أخرى، وأن ما يجعل الجملة صادقة هو أن الاعتقاد فيها يفضي إلى نتائج مفيدة، وبالتالي فإن ما يقال عن بعض تصريحات ترامب أنها كاذبة هي في الواقع صادقة براغماتياً طالما تفضي إلى ما رغب فيه، سواء كانت هذه الفائدة وصوله إلى البيت الأبيض، أو لرغبته في أن تكون غزة مشروعاً عقارياً ضخماً للأغنياء، وفي النهاية ما يحدث هو تصادم منظومات قيمية تجعل الحوار بينها ملتبساً وصعباً، وهذا ما يجعل من مصطلح (براغماتي) في أذهاننا وصفاً للشخص الانتهازي والمخادع، مَن عنده الغاية عنده تبرر الوسيلة.

عمّق الفيلسوف الأميركي ريتشارد رورتي في القرن العشرين مديات البراجماتية حين خاض بها حقول اللغة وأفعال الكلام، ذاهباً إلى أن الكلمات مجرد أدوات نستخدمها من أجل القيام بما نرغب فيه من اتخاذ قرارات مفيدة «الكلمات تمكننا من التعامل مع العالم، ولا تمكننا من خلق نسخة منه» وقد ذهب إلى أن «الصدق هو ما يصادق عليه مجايلوك، وأن لا حقبة تقترب من الواقع أكثر من غيرها من الحقب».

وبالتالي فإن تلك الكلمات التي تخرج من المكتب الأبيض هي التي بالضرورة صادقة حتى وإن تحولت المؤتمرات الصحفية إلى برامج إثارة وترفيه، وعليها يجب أن يتوقف اتخاذ القرارات ومهر التوقيعات التي تهدد استقرار العالم، وهذا ما جعل من كلمات ترامب المرتجلة، أو تغريداته آخر الليل تُحدث زلزالاً في العالم، وتصعد أو تهبط بمؤشرات الأسواق، لأن ما يصادق عليه يجب أن يصادق عليه الجميع، والخيار البديل دائمًا التهديد بكلمات أخرى أثيرة مثل (العقوبات) أو (الحرب) أو (من ليس معنا فهو ضدنا). وترامب في حقيقته تعبير فج ومعلن وصريح عن المكبوت الأميركي، وعن أخلاق البراغماتية في نسختها المكيافيلية.

وأخيراً، سبب اختلال الميزان التجاري بين أميركا والصين، أن أميركا تُصنِّع للأغنياء، والصين تُصنِّع لكل الطبقات، وهو ناتج عن اختلاف أيديولوجيتين، وفي عمقه سبب أخلاقي. ثمة مقولة شائعة، تحولت إلى مثل شعبي كوني «إذا عطست أميركا فسيصاب العالم بالزكام» ولكن من الممكن أن يأخذ العالم لقاحات أو يرتدي كمامات حين تعطس أميركا، واللقاحات هي الإجراءات الحمائية المستقبلية التي من الممكن أن تقلص من انتشار هذه الأوبئة التي ينشرها مختبر البيت الأبيض.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»