أي رعب هذا الذي ألقوا بنا وسطه؟ وأي أبالسة هؤلاء الذين يتلهون بتقليبنا في مراجل هذا الجحيم الصناعي العظيم؟
ما أطول النفق وما أشد الظلمة يا صاحبي، الزنازين مرعبة، وساحات السجون مرعبه، الهواء مشبع بالدم والموت، الحراس قساة والنفق يا صاحبي مظلم وطويل.
وأنت كما أنت، فتى الصلابة والمعرفة، عليك أتكئ كي لا أقع، وأرى عبر بصيرتك شعاع الشمس، هناك عند نهاية النفق، ما أطول النفق وما أقصر خطواتنا يا صاحبي.
في المسرح الجامعي وفي خضم «الصراع» مسرحيتنا الأولى معا بالجامعة، أخذت دورنا، دور العاشق للجميلة المخطوفة، فتاها الذي يواجه «الغول» كي يحررها من قلعة الغول وحراسها المدججين بالسلاح، فنى من ربيع ودواوين شعر ورقص وأحلام، فتى «الأربع عرصات والكازالانجس»، فتى مسرح الكشاف والمسرح الشعبي ومسرح الجامعة، فتى من سلالة «المتنبي والبياتي وبابلو نيرودا وكزنتازاكي»، فتى من سلالة «برتولد بريخت»، فتى «بؤساء هوجو» وهو يتنقل بين المتاريس تحت رصاص البوليس مقاوما خوفه بالأغنيات، أي جنون هذا الذي اخترته؟ كيف للأغاني أن تصد الرصاص، وكيف للشعر وهتاف المظاهرات أن يفك الجميلة من براثن الغول؟ هل لرفيف جناح الفراشة القدرة على هدم أسوار القلاع؟ يا لجنون المسرح يا ابن موسى.
في فبراير، من العام الخامس والسبعين من قرننا العشرين، تفجر كل ما في بنغازي ضد العسكرة، وكنت وكما في «الصراع» تواجه الرصاص بالتظاهر والأغنيات، تواجه «الغول» بالحجارة ورفيف أجنحة الفراشة.
في العام السادس والسبعين كنت أيضا، فتى مسرحيتنا الثانية، كنت فتى «تداخل الحكايات عند غياب الراوي» حيث يشرع التائهون في قتل آبائهم، ليموت العقل والمرجعية، ليسود الجنون والخراب، ويموت الفتى الذي رفض قتل أبيه ويرثيه المسرح <<خدعك الكاتب والمخرج ورفاقك فوق الخشبة».
وفي يناير من العام السادس والسبعين من قرننا الماضي، لا تخدع بنغازي الجامعة ويتفجر كل شيء في بنغازي في وجه الفاشست، وتغادر المسرح إلى شوارع المظاهرة متسلحا بالأشعار والأغاني والهتاف، ضد قتل الآباء والعسكرة، من أجل الاتحاد واستقلالية الجامعة.
في نشرة يناير «صوت اتحاد طلبة كلية الآداب» التي كنت مؤسسها كان الشعار «في الإمكان أبدع مما كان»، كان بإمكان رفيف جناح الفراشة في «الحب والصحو والتجاوز» للسنوسي حبيب ولوحات عمر جهان وأشعار الشلطامي والرقيعي وعمر النامي، كان بإمكان الفن أن يفك أصفاد العقل والروح وأن يدشن «ربيع بنغازي».
ويا صاحبي «خدعنا الكاتب والمخرج ورفاقنا فوق الخشبة» فكان الربيع قصيرا فأي رعب هذا الذي ألقوا بنا وسطه؟ وأي أبالسة هؤلاء الذين يتلهون بتعذيبنا في معتقل الحرس الجمهوري؟
وأنت كما أنت في كل الأمكنة والأزمنة، على الركح أو في المظاهرة أو في المعتقل، فتى الصلابة والمعرفة، على كتفك أتكئ وأرى عبر بصيرتك الضوء في آخر النفق، وأردد وراءك «في الإمكان أبدع مما كان» ونمضي معا، باتجاه الشمس.
يا صاحبي يا ابن موسى يا كل الرضا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات