Atwasat

إنهم يقتلون الأمُّهات

جمعة بوكليب الأربعاء 12 فبراير 2025, 01:20 مساء
جمعة بوكليب

العنوان أعلاه استعرته من رواية أميركية بعنوان: «إنهم يقتلون الجياد أليس كذلك؟» كنت قد قرأتها في السبعينيات من القرن الماضي. الرواية لكاتب أميركي اسمه (هوراس ماكوي) ونشِرت في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي. وتحولت إلى فيلم سينمائي. كل ما فعلته أني غيرت في العنوان قليلاً، بوضع كلمة الأمهات بدلاً من الجياد، وذلك بعد اطلاعي مؤخراً على خبر مقتل أم ليبية أخرى على يد ابنها.

الابن/ الشاب/ القاتل، نشِرت صورته على «الإنترنت»، بملامح مخفية لأسباب قانونية. بيان مديرية الأمن بمدينة «سرت»، مسرح الجريمة، المنشور في الشبكة العنكبوتية، أوضح أن القاتل من مواليد 1991، ومن نفس المدينة. وأنه ذبح أُمَه بقطعة زجاج!!!

قبل حدوث الجريمة الأخيرة، قرأنا أوسمعنا عن حوادث قتل مرعبة وعديدة في أنحاء مختلفة من ليبيا، قام بها شباب صغار السن ضد أمهاتهم. تفاصيل تلك الجرائم يقشعر لها القلب الإنساني أينما كان، وينكمش لهولها رعباً. وأن الأغلبية من مرتكبي تلك الجرائم مدمنون على المخدرات.
عقب قراءتي للخبر، أصبت بما يشبه الشلل من الصدمة. لعلمي أن الجريمة ليست الأولى من نوعها. وأن مسلسل قتل الأمهات الليبيات المرعب قد تتواصل حلقاته. وتساءلت ما الذي حلَّ بنا؟ وما الذي أودى بأولادنا إلى تلك الهاوية المهلكة؟ ولماذا يلجأ الأبناء إلى قتل أمهاتهم؟

خلال السنوات التي قضيتها في الغربة، وامتدت أزيد من ثلاثة عقود، لا أتذكر أنني قرأت أو سمعت عن جرائم بهذه القسوة والوحشية، يرتكبها مدمنون ضد أمهاتهم، رغم انتشار الإدمان بمختلف أنواعه وأشكاله وألوانه في تلك المجتمعات.
لنفكر معاً بصراحة وبصدق، ولنرفع بجرأة الغطاء عن المسكوت عنه. إذ ما الجدوى من مواصلة الكذب على أنفسنا، والادعاء بما ليس فينا. دعوكم من البهرجة الكاذبة، والأوصاف الضخمة المبهرة التي نلفقها ونلصقها بأنفسنا، وكأننا شعب الله المختار، الموعود بهداية العالم. ولنقف مرة واحدة أمام المرايا، وننظر بعيون مفتوحة في وجوهنا من دون أقنعة. ونسأل أنفسنا بصدق: كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من التدنّي ومن القرف، ومن انعدام الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية والدينية تجاه أولادنا وبناتنا وبلادنا وقيمنا وتقاليدنا وأعرافنا وأخلاقنا؟ وإلى متى نواصل إخفاء الحقيقة تحت البساط؟

أولادنا، شبابنا، أملنا وأمل بلادنا ومستقبلنا تركناهم ليكونوا فريسة سهلة للمجرمين من تجار ومهرّبي المخدرات. ليس هذا فقط؛ بل إنهم صاروا يقترفون علناً أبشع الجرائم: يقتلون أمهاتهم بالسكاكين وبالفؤوس وبقطع الزجاج، وبكل ما تصل إليه أياديهم من أسلحة أو أي مصيبة أخرى. والنتيجة أننا جميعاً، لدى ظهور الأخبار بوقوع جريمة من هذا النوع نكتفي بالحوقلة، وبهز رؤوسنا تأسفاً، ونواصل حيواتنا، وكأن معزة أو دجاجة ذُبحت!

يا ناس، ياعالم، ياهووووه، يا شعب المليون حافظ، أيها السادرون في غيّهم. أيها الغائبون عن عقولهم، التائهون في مساراتهم، الراكضون خلف اقتناء السيارات والدارات والتباهي «بالتفحيج» في صالات الأعراس، وفي كل المناسبات: افتحوا عيونكم، وانظروا ماذا يحدث ويجري في بيوتكم، وفي مدارسكم وفي شوارعكم، وفي جامعاتكم، وفي دواوين حكومتكم، وفي أسواقكم من كوارث ومصائب. افتحوا عيونكم لتروا ما لا تحبون رؤيته: حقيقة واقعنا المزري جداً. وأن مجتمعنا يعيش أزمة حادّة، وأن أولادنا يقعون بالعشرات كل يوم في هاوية الإدمان، ويرتكبون أفعال القتل والسرقة والنهب والحرابة، وغيرها من أنواع الجرائم.

الحياة ليست لعبة جميلة ومسلية، وليست فقط تفاخراً بينكم في الأموال والأولاود، بل هي مسؤولية أخلاقية، مثل شُعلة يسلمها جيل إلى جيل. وأن تلك المسؤولية لا تسقط بتجاهلنا لها أو بالتقادم. وليس من العقل أو الحكمة في شيء إبداء اللامبالاة. هل تدركون فحوى ومعنى قتل نفس بريئة، فما بالك بقتل أمّ؟ وليس أمًّا واحدة بل عدة أمهات، وفي وقت زمني يعدّ، بكافة المقاييس، قصير نسبياً.

دفن الرؤوس في الرمل لم يعرف عنه يوماً أنه كان دواء ناجحاً حتى للنعام. والأفضل والأجدى، هو التوقف، والاعتراف بجرأة بأننا نعيش في أزمة متعددة الجوانب والمستويات. وعلينا جميعاً ومعاً البحث عن حلول، وفي أقرب وقت ممكن.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»