Atwasat

جريمة كراهية وليست حربا

سالم العوكلي الثلاثاء 11 فبراير 2025, 02:29 مساء
سالم العوكلي

رغم التسميات العديدة للحرب التي دارت وما زالت تدور في غزة، إلا أنها في الواقع هي حرب كراهية لا غير، وسمة حروب الكراهية خروجها عن كل القوانين التي سُنت لتنظيم الحروب التقليدية، بل وتخرج حتى عن أعراف النزاعات المسلحة أو ما نسميه (أخلاق الفرسان)، وتتحول من حرب إلى جريمة كراهية حين تتخلى حتى عن شروط الحرب النظيفة كما سماها الغرب صمن محاولاته لتجميل العنف.

لا شك أن الصهاينة يكرهون الفلسطينيين، وبالمقابل الفلسطينيون يكرهون الصهاينة، وهنا لا أتحدث عن عداء عرقي بين اليهود والعرب الذين تجمعهم صلات قرابة تجعل التشابه الجيني بينهما كبيرا، وربما هو السبب الذي جعل الجيش الإسرائيلي يقتل ثلاثة من رهائنه خرجوا من النفق يحملون الرايات البيض، لأنه اعتقد أنهم، من خلال ملامحهم، أنهم فلسطينيون، فلم يكونوا شُقرا بعيون ملونة حتى يترددوا على الأقل في إطلاق الرصاص عليهم، وفي الأحوال جميعها تذهب قوانين الحرب وأعرافها القديمة إلى أخلاقية ألا تطلق الرصاص على من يحمل راية بيضاء حتى وإن تأكدت أنه من عدوك.

نعم الكراهية متبادلة بين الفلسطينيين والصهاينة، كأي كراهية تنمو بين غاصب وصاحب حق، وتذهب هذه الكراهية إلى أقصى مدياتها حين تكون مرفوقة بالتشدد والتحيز الأعمى، أو ما يُوصف سياسياً باليمين المتطرف، لأنه في هذه الحالة تتحول الكراهية إلى عقيدة راسخة وليست شعوراً عابراً، وحين تصبح الكراهية مدججة بأسلحة فتاكة وبحضن سياسي دولي يحميها من العقاب، تغدو الجرب في حالتها جريمة إبادة شاملة خالية من أدنى حد للقيم الأخلاقية، فلا يروق لحرب الكراهية هذه أن تقتل المسلحين وتتحاشى المدنيين، بل تسعى لاستهداف الأطفال (حتى في أرحام أمهاتهم) لأنه في عقيدة الكاره العنصري لا طفل بريء في الجانب الذي تكره، وكل طفل يولد استفزاز مضاف لهذه الكراهية.

وفوق ذلك تسعى إلى تقويض أي فرص للنجاة عبر الحصار والتجويع ومنع دخول المساعدات، وتدمير المستشفيات وقصف سيارات الإسعاف وموظفي الإغاثة، وضرب أو تعليق عمل المنظمات الإنسانية، وهدم البيوت وجرف البنى التحتية، وإعدام المرضى والجرحى والأطقم الطبية، إلى آخر ما قام به الجيش الإسرائيلي عبر حرب لم يشهد التاريخ البشري مثيلاً لشرورها، وتجاوز شرها ما يسميه الصهاينة الهولوكست، الذي اتفق العالم على اعتباره جريمةً ضد الإنسانية جمعاء يجب ألا تتكرر مع أحد، ولكن الفارق بين الهولوكست وحرب غزة، أن العالم كله أو معظمه تحالف ضد المجرم في الحالة الأولى، بينما الدول نفسها التي تحالفت ضد النازية تتحالف اليوم مع الصهيونية وهي ترتكب جريمة أفدح بكثير من الهولوكست.

ومن جانب آخر، الهولوكوست جرى في تعتيم كامل ولم يشاهد آلامه وضحاياه أحد أثناء تنفيذه، ولم يخرج للضوء إلا بعد القضاء على الرايخ وتحرير ألمانيا من النازيين، بينما الهولوكست الذي يرتكبه الصهاينة في غزة كان منقولاً على الهواء، يتابعه العالم في القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل على مدار 24 ساعة، والدول نفسها التي تحالفت ضد النازية مضافاً إليها ألمانيا التائبة، استمرت تدعم المجرم بالأسلحة والذخائر والمعلومات الاستخباراتية، والأمر كما لو أن دولاً نافذة في زمن الهولوكست كانت تزود الرايخ بالغاز ليحرق المزيد من اليهود والملونين والغجر.

وسواء قتلتَ شخصا لأنك تكرهه لأسباب عنصرية، أو قتلت عشرات الألوف من شعب تكرهه، فهي جريمة كراهية، ولكن من أجل تبريرها يجب أولاً تصنيف الضحية ووضعها تحت عناوين تبرر قتلها، فتوصف حركات المقاومة بكونها منظمات إرهابية تنشر الخوف.

في كتاب (الكراهية، والسياسة، والقانون) يقر مايكل ثورب في بحثه المعنون «كراهات ديمقراطية: صناعة (العدو المكروه) في الديمقراطية الليبرالية» أن «الملمح الرئيس في الكراهية الديمقراطية بتعبيراتها المختلفة هو تحديد العنف في الآخر غير الديمقراطي، الآخر بوصفه العنف بمعناه المتأصل، سواء مارسه أو لم يمارسه... حين تكره الديمقراطيات، فإنها تكره الكاره».

أي بمعنى، إن الآخر الواجبة كراهيته هو من يجعل العالم عنيفاً، وهو من ينشر الخوف أينما حل. وكما يقول نيتشه: «يلزم أولاً أن يصبح الثعبان تنيناً، قبل أن يمسي المرء بطلاً في محاربته».

بمعنى أن التمهيد لهذه الجريمة كان عبر توصيف مسبق للمقصود بهذه الجريمة، ثم تضخيمه وتصويره على أنه الممثل الأخطر للكراهية ونشر الخوف في العالم، حيث لا فرق في هذه الحالة بين من يكره طرفاً آخر لأسباب عرقية أو مذهبية أو جندرية أو غيرها، أو من يكره آخر لأنه اغتصب أرضه وحاصره ونكل به في وطنه، وهي كراهية نتيجة أفعال إجرامية من قبل غاصب تقف وراء كل حركات المقاومة في التاريخ، غير أنها ليست دائمة لأنها كراهية متعلقة بسلوك قد يتغير وليس بنوع لا يتغير.

وبالتالي فإن الفلسطينيين يكرهون الصهاينة نتيجة اغتصابهم لأرضهم وتنكيلهم بهم، بمعنى نتيجة سلوكهم، بينما الصهاينة يكرهون الفلسطينيين بسبب نوعهم الذي يجب ألا يبقى على هذه الأرض. أو على حد تعبير سيرين كيركغورد، بالنسبة لمن يكره «كَرْبٌ أن يتنفس في العالم الذي يتنفس فيه من يكره. إنه يخشى من فكرة أن الأبدية سوف تضمهما معا».

ولأن جنود الجيش الصهيوني، أو معظمهم، كانوا يقرأون على السبورة كل صباح عبارة (الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت) فهم يعيشون هذا الكرب، وبالتالي فإنهم يفعلون ما لا تفعله الجيوش التقليدية لأنهم يكرهون الفلسطيني طالما هو حيٌّ يتنفس، ما يجعل هذه الكراهية دائمة وعمياء، وما يجعل الصهاينة يرفضون بالإطلاق قيام دولة فلسطينية بجوارهم، والأمر لا يتعلق بجغرافيا ولا بسياسة ولكن بشعور حاد بالكراهية، مثلما لا تسمح لشخص تكرهه أن يكون جارك أو حتى يجلس بمقعد جانبك.

يقول ترامب في خطابه الأخير، وفي حضور إحدى الرهائن المفرج عنها، ما مفاده، إن ما حدث يوم السابع من أكتوبر هو نتاج فقط لـ«كراهية اليهود»، لذلك يعد بأنه سيفعل كل القوانين التي تضمن تعايش الأديان، وهو، كعادته، استخدم تضليلاً واضحاً للوصول إلى ما صفق له الجمهور عبر تلاعبه بالكلام وبمفهوم الكراهية أمام حضور من الغوغاء. فما حدث يوم السابع من أكتوبر ليس موجهاً إلى اليهود كنوع أو عقيدة، لكنه نتاج عقود كثيرة من التنكيل والمجازر والحصار وهدر الكرامة التي ارتكبتها الحركة الصهيونية الفاشية، وعشرات الألوف من اليهود الذين تظاهروا في أميركا وغيرها، لا يكرهون نوعهم أو عقيدتهم، لكنهم يحتجون على الصهيونية المخجلة التي لا تمثلهم.

يختزل ترامب ما حدث يوم السابع من أكتوبر بكونه جريمة كراهية، وهي حوادث فعل مثلها وأكثر منها الفيتناميون أو الأفغان أو العراقيون أو الصوماليون ضد الأمريكان حين كانوا يحتلون هذه الأراضي، وكانوا فعلاً وقتها يكرهون الأمريكان، ليس لأنهم أمريكان بل لأنهم يغتصبون أراضيهم ويهينون كرامتهم كل يوم، ولأنها كراهية ناتجة عن ردة فعل ضد السلوك قابلة لأن تتحول، ما جعل هذه الدول تقيم علاقات دبلوماسية طبيعية مع محتلها السابق أو عدوها السابق بمجرد أن سحب جنوده وغير سلوكه.

ظهرت العنصرية والكراهية على السطح كمفاهيم قانونية وسياسية بوضوح بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً مع التحمس لمناهضة معاداة السامية في أوروبا في السنوات التي أعقبت الهولوكست، وسُنت قوانين لحماية الأقليات ومكافحة التمييز العنصري في فترة التحرر من الاستعمار، وبالتالي فإن الكيان الصهيوني يتجاوز القوانين والحقوق والمحاذير التي كان السبب في سنِّها ما تعرض له اليهود أنفسهم من جرائم، لكن الضحية نفسها هي ما جعلت هذه القوانين التي سنت من أجلها حبراً على ورق في مفارقة لافتة عن الضحية حين تصيبها عدوى جلادها.

كما أن معظم تلك القوانين وقفت عند مكافحة الكراهية كمفهوم أو خطاب، ولم تذهب صراحة إلى تسميات من قِبل (جريمة كراهية) كما حدث في الهولوكست ويحدث في غزة الآن: «وبصرف النظر عن الدوافع أو الصياغات الفعلية للتدابير المحلية، تظل هناك ثلاث حقائق أساسية جديرة بالذكر. أولا، بنهاية السبعينيات، ضمّنت ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، كلمة «كراهية» في ترسانتها القانونية.

ثانيا، لم يحدث هذا إلا ضمن مجال «خطاب الكراهية» ولم يطل تدابير مصمّمة لمواجهة «جماعات كراهية» أو «جرائم كراهية» وأخيراً، فإنه لم يُنجز في محاولة لمكافحة «الكراهية» بوصفها كذلك بقدر ما أنجز بوصفه جزءا من برنامج دولي أوسع لمكافحة صور العنصرية وعدم التسامح التي تصدرت النقاشات العالمية بعد الهولوكوست وخلال فترة التحرر من الاستعمار والتمييز العنصري»*.

ودقة هذه الدول في سن القوانين، وتحاشي توسيع فاعليتها، يرجع إلى كونها دولا استعمارية سابقة، وجعلت تعريفات مصطلحات مثل الكراهية أو الإرهاب غائمة ومرنة لتستخدمها وفق تأويلها، وظلت هذه القوانين تطبق على الأفراد والجماعات الضعيفة وحركات المقاومة بكل عقائدها بما يخدم هذه الدول الكبرى، ويمنحها الذرائع للضرب في أي مكان دون ترخيص ودون خوف من محاسبة أو عقاب، لأن ما حدث في غزة يؤكد أن مقترفي الجريمة ينطبق عليهم تسمية «جماعات كراهية» وليسوا جيشاً.

وهذا التلاعب ما يجعل نتنياهو الذي قتل أكثر من 50 ألف مدني، بينهم 20 ألف طفل، يصف بكل وقاحة طريقة تسليم ثلاث رهائن لم تعجبه بأنها «جريمة ضد الإنسانية».

* إريك بلايك. من العنصرية إلى الكراهية: منظور تاريخي. من كتاب (الكراهية، والسياسة، والقانون: منظورات نقدية في مكافحة الكراهية). تحرير توماس برودهولم & بيغيت شيبلِرن يوهانسن. ترجمة نجيب الحصادي. مطبوعات جامعة أكسفورد، 2018.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»