كنت في ساحة المحكمة/ ساحة الثورة ببنغازي، ليلة صدور قرار مجلس الأمن 1973 الخاص بحماية المدنيين في مارس 2011م، كان عرسا والأعلام الأمريكية وجملة الأعلام الغربية وخاصة الفرنسية تغطى الساحة، وصور ساركوزي وأوباما إضافة إلى علم جامعة الدول العربية تزخرف المشهد، كان الليبيون جملة وتفصيلا يهتفون ويغنون لأجل التدخل الذي طالبت به جامعة الدول العربية في إجماع لا مثيل له، خرجنا من بيتنا أنا وأخي عبدالسلام بدفع الزغاريد التي انطلقت من البيوت، وكان القرار لحمايتنا من قوى ليبية غاشمة تتبع القذافي جاءت لقمعنا وإعادتنا إلى بيت طاعة الفاشي القذافي،وكان الليبيون جميعا- بمن فيهم سكان العاصمة طرابلس التي كانت ساعتها في قبضة القذافي– في انتظار ذلكم القرار الذي لم أرَ أحداً ضده في مجمل دول العالم، كان هناك إجماع لم يحصل قبل من أجل التدخل لحماية بنغازي، لحماية الليبيين من الليبيين، كان العالم مع حماية البشر في بنغازي بغض النظر عن هوية القاتل.
كان ضمير العالم قد توحد ضد القتل بغض النظر عن دوافع أيٍ كان ساعتها وعن أهدافه أيضا، ولهذا لم تتم أي مراجعة فالنتيجة أن البشرية صدت جريمة قتل جماعي تتحجج بالحق الوطني والسيادة الوطنية، بل خرجت فتاوى دينية لتبرير القرار 1973.
لقد صارت ليبيا مسألة دولية فهي مصيدة الفئران للجماعات المتطرفة، ومسألة التدخل مسألة وقت خاصة وأن الطائرات بدون طيار عادت من جديد تمخر أجواء البلاد
والجميع كانوا تحت مظلة أن القتل لا يبرره أي شيء: لا تقتل شريعة أولى للبشر منذ المهد وحتى اللحد. ومن الصدف التاريخية أن هذا البلاد الذي صدر قرار أممي بالإجماع لحمايته، كان قد منح استقلاله بناء على قرار أممي أيضا رقم 289 أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 نوفمبر 1949م، وبهذا فإن ليبيا دولة الأمم المتحدة التي تكفلت باستقلالها ودعم وضع دستور لها... إلخ، كانت أول دولة تتكون بناء على دعم أممي.
والآن في مارس القادم يكون قد مرت أعوام أربعة على صدور القرار 1973 الذي ساهم في: "تحرير البلاد والاستقلال الثاني" كما سمى الليبيون انتصارهم على القذافي الفاشي من استولي على البلاد لعقود أربعة. لكن إذا كانت نتيجة القرار 289 استقراراً للبلاد واستقلالاً لها فإن القرار 1973 منذ صدوره وحتى الساعة والبلاد في حرب، وقد أوصى قرار مجلس الأمن الصادر في 19 نوفمبر 2014 بإدراج طرف في هذه الحرب وهو أنصار الشريعة في بنغازي ودرنة ضمن المنظمات الإرهابية، وهو طرف رئيس في هذه الحرب مدعوم ومزكى من أطراف أخرى، وبهذا عادت ليبيا إلى الأمم المتحدة مرة ثالثة.
ولو نظرنا إلى ساحة الحرب سنجد مقاتلين من دول عدة يقاتلون في هذه المنظمات بل وقادة لها، وأنهم وداعميهم يتلقون الدعم العسكري من دول عضو في الأمم المتحدة التي أصدرت القرارات الخاصة بليبيا.
أما لو أولينا اهتمامنا بالجانب السياسي الدولي الراهن فإن إيطاليا تلوح ولأول مرة باستعدادها للتدخل في ليبيا التي كما باتت خطراً على دول الجوار فإنها كذلك على دول المتوسط، ومن جهته الرئيس الفرنسي أبدى استعداد بلاده للتدخل في ليبيا بناء على أي مشروع أممي للتدخل. وتتوالى التصريحات تصريحا أو تلميحا لأجل إنقاذ ليبيا من هول الإرهاب الدولي الذي يتقنع تحت مهام وطنية كما تقنع النظام السابق.
إذا مسألة التدخل مرة ثانية وفي غضون سنوات أربع أمست مسألة مطروحة على الطاولة، وإن لم نسمع بعد صوتا أمريكيا يتحدث حول التدخل لكن قبل قادت فرنسا التدخل في ليبيا عام 2011م، وإذا قررت الولايات المتحدة التدخل فإننا سنجد كل الدول تدعم ذلك من أجل النفوذ، حتى الدول التي على الهامش كالنرويج التي ساهمت في تدخل عام 2011م، ولا ننسى ما حصل ويحصل في التحالف الدولي ضد داعش، والحادث أن داعش تمد نفوذها حتى ليبيا، وكسينجر الشخصية الهامة في تشخيص حالة الشرق الأوسط صرح للصحيفة الألمانية دير شبيغل:" إن اكثر ما يهدد العالم الآن هو وجود دول بلا حكومات، وليبيا مثال واضح على الفوضى التي تلي إسقاط مفهوم الدولة كوحدة سياسية، وعلى العالم أن لا يسمح بتكرار ما حدث في ليبيا التي تحولت إلى أرض بلا دولة ومستودع أسلحة للجماعات المتطرفة يهدد أمن الشرق الأوسط".
لقد صارت ليبيا مسألة دولية فهي مصيدة الفئران للجماعات المتطرفة، ومسألة التدخل مسألة وقت خاصة وأن الطائرات بدون طيار عادت من جديد تمخر أجواء البلاد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات