)وفار التنور(
في العشرين من يناير 1949 شرب الرئيس الأميركي هاري ترومان قهوة الصباح وتشجأ بعض الوقت ثم ألقى خطاباً موجهاً لمواطنيه وللعالم. أعلن في الخطاب عن برنامج لإنقاذ ذلك العالم من مشاكله الاقتصادية والاجتماعية. البرنامج يكشف عن حزمة من المساعدات الفنية الأميركية للدول المتخلفة وتدور في دائرة السياسة الأميركية.
تضمن الخطاب نقاطاً لتنفيذ البرنامج المذكور. لكن أهم تلك النقاط ما ورد في (النقطة الرابعة) منه. كانت تلك النقطة هي القصيد كله. إنها تؤكد على الدول الغنية بتحمل المسؤولية لمساعدة الدول الفقيرة. صارت النقطة علامة دالة وستصير تسمية تطوف العالم منذ أعوام الخمسينيات. وامتداداً من جهة أخرى لمبدأ ترومان الذي أطلقه في فترة سابقة لتلك النقطة في مواجهة المد الشيوعي في تركيا واليونان.
كان ترومان يحمل الرقم الثالث والثلاثين في طابور رؤساء البيت الأبيض. وتولى المقاليد عقب وفاة سلفه روزفلت العام 1944 ليكمل مرحلته الرئاسية انتخب بعدها رئيساً إلى العام 1953. كان يشعر بالزهو لأنه ساهم في صنع انتصار أميركا في الحرب العالمية الثانية. كان يقترب من حافة الجنون.. ضرب اليابان بقنبلتين نوويتين منذ ثمانين عاماً. واعترف بإسرائيل بعد إعلان قيامها بخمس دقائق في مايو 1948. ثم أشعل حرباً مستعرة في كوريا وأقال بسببها أحد جنرالاته ماك أرثر. كان في رأيه يوطد أقدام أميركا في العالم عسكرياً واقتصادياً.. وإرهاباً منظوراً وغير منظور عقب الحرب العظمى. انتصر الروس والأمريكان ثم بدأ الصراع بينهما وظلا ينتفان ريشهما طوال الحرب الباردة. تلك طبيعة الكبار.. الصنع في الجحيم.. الجنون.. الغطرسة.. السير بالعالم إلى الحافة المخيفة. أميركا ترى في نفسها أنها سيدة الكون. لا تود أن ينازعها فيه أحد على الإطلاق. رؤساؤها يخطبون ويشربون القهوة بالحليب ثم أقداح الويسكي ويخططون مستقبل العالم. الغطرسة المزمنة التي ستضحى علامة مميزة لأميركا في وجهها الآخر.
في الثاني من أكتوبر 1949 اعتمد الكونغرس برنامج النقطة الرابعة. بدأ الأمريكان يغرون البقية بمساعداتهم. وفي العام 1950 وصلت النقطة إلى المنطقة العربية وكانت البداية في مصر. اتجهت إلى تنمية الريف والقرى والدواخل. وكان ثمة اهتمام خاص وفقاً للمصادر بتربية الدواجن والأرانب وتدريب الفلاحين والفلاحات ومحو الأمية. وبعد يوليو 1952 ظلت النقطة محل شكوك عند رجال الثورة نتيجة لتغلغل نشاطها المريب في رأيهم فأوقف نشاطها لكنها استمرت في لبنان وفي الأردن والضفة الغربية وما حولها وفي مخيمات اللاجئين المنتشرة وسط الأراضي القاحلة وكذا في مجموعات من دول آسيا. كانت النظرة نحو أميركا من دول العالم نظرة تشمل تقديراً واحتراماً خاصين باعتبارها قائدة العالم الحر في مواجهة الستار الحديدي.
عندنا في ليبيا تزامن وصول النقطة الرابعة مع عقد الاتفاقية الليبية–الأميركية العام 1954 التي نشأ عنها تعاون عسكري وثقافي واقتصادي. كانت أميركا معقد الأمل في النهوض بالتخلف الذي يغلف ليبيا التي نجت من الحرب بصعوبة بالغة وكان ميلادها أعجوبة فوق التصور تلك الأعوام.
ولتطوير البرنامج والعناية به جرى الاتفاق على أن يكون هناك مندوبون من البلدين في خطط المصالح المشتركة التي تتجه نحو إقامة المشروعات الاقتصادية في مناطق مختلفة من ليبيا. والواقع أن عقد الاتفاقية التي قوبلت أيضاً باستنكار ومعارضة في البرلمان ولدى الكثير من الشعب.. ترافق معها أي الاتفاقية برامج أخرى مساعدة من الأمم المتحدة في سبيل النهوض بالبلاد والقضاء على مظاهر التخلف. فيما ترافق أيضاً مع البرنامج الأميركي للنقطة الرابعة وجود مؤسسات أميركية تعمل بمسميات الوكالة الليبية الأميركية للتنمية والاستقرار والوكالة الليبية الأميركية المشتركة (لارك) ومنظمة (كير) وصار لهذه جميعا مكاتب ومقار متعددة وبرزت بعض وسائلها تحت غطاء مكافحة الشيوعية. كان هناك مكتب أميركي ينفق بسخاء بدعوى القضاء المبرم على الشيوعية في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط. واختارت النقطة مستشارين ليبيين من ذوي الثقة والخبرة وبعضهم كان في مناصب وزارية وسياسية.
امتد النشاط وكبر. حقق قبولاً لدى الناس. شاهدوا أكياس القمح والمساعدات التي تحمل شعاراً يحتوي يدين متصافحتين. وفي المدارس نال الطلبة الصغار والكبار أيضا نعمة النقطة في توزيع الحليب الساخن في الصباح قبل الدخول للفصول وزيت كبد الحوت والرش بالفليت للقضاء على الأمراض. ذلك الأمر عاصره الكثيرون. كما انطلقت بعض الإنشاءات لبناء المدارس والمرافق والسدود. واهتمت النقطة بمشاريع الريف ومركز التربية الأساسية المماثل لما حدث في مصر في فترة سابقة تخرج فيه المرشدون الزراعيون. وأرسلت مجموعة من الدراسين إلى أميركا وبعضهم حصل على شهادات عالية إضافة الى دورات في مصر. كانت النقطة تملك أسطولا من الموظفين والعمال الليبيين وكذا من العرب خاصة من الأردن وفلسطين. وتردد في تلك الفترة بأن المرتبات التي تمنحها النقطة كانت مجزية تفوق مرتب المسؤول والوزير الليبي (مذكرات محمد عثمان الصيد).
وكان ثمة حذر وتوجس في نفس اللحظة. كان هناك شيء غير ظاهر وراء ذلك الود. ولوحظ بأن العديد من النخب أكدت هذا التوجس. في جريدة فزان نشر محمد مصطفى المازق مقالاً عن تلك الظاهرة أو النقطة عنوانه (المصالح المشتركة ليست مشتركة) وثمة إشارات إلى الخوف من هذا التغلغل وجدت صداها في بعض جلسات البرلمان وفي كثير من المقالات والقصائد. أميركا لونها تغير بألوان جديدة. المنطقة تسير نحو مخططات بعيدة المدى. وخطب الرؤساء تتحقق ولو بعد حين على الأرض. وهناك من المسؤولين من ظل يؤكد على أنه رغم هذا الود وهذه المشاريع فإن الدولة الليبية لم تستفد كثيراً وبالشكل المتوقع من هذه المصالح وهذه النقطة. أميركا ظلت تستعمل الدعاية وتغري الآخرين ببريقها. مجلة المعرفة التي تصدر كل أسبوعين في ليبيا ساهمت في هذا الخطاب الإعلامي منذ صدورها العام 1955. رغم أن هذه المجلة ظلت مصدراً من مصادر التوثيق والتأريخ لحوادث ليبية مهمة في تلك الفترة.
ألغت حكومة السيد الصيد المصالح المشتركة بعد توليها الأمر بشهر في نوفمبر 1960. حاول كيندي مع الملك عن طريق السفير (الخطير) جون ويسلي جونز الذي كتم أسراراً خطيرة لم تظهر بعد. الملك أخذ برأي الحكومة وأيدها. كانت للملك شكوكه في الجانب الأميركي وكان تحالفه مع بريطانيا هو الأقوى.
.. الأعوام تمضي. التاء أحياناً لا تكون مضمومة. البرامج تستمر. ومع القهوة والحليب في الصباح.. ينهمر الجحيم من جديد مع ترامب. ألغى وكالة المساعدات. انسحب من الصحة العالمية ومن برامج المناخ. يهدد العالم. يحاصره شيئاً فشيئاً بالاقتصاد والرسوم مثل رجل الجمارك. يضيق الخناق على الضفة وغزة. إنه امتداد لترومان وإن اختلف الوجهان. نفس الرؤية. نفس البرامج. نفس الرعب. نفس الخوف. والقادم مصنوع في الجحيم. انتظروا المزيد من هذا الرجل. لا تتوقفوا عن هذا الانتظار.
ويا إلهنا العظيم طوفان جديد مثل طوفان نوح!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات