Atwasat

بورتريه المصطفان الصديقان

أحمد الفيتوري الثلاثاء 14 يناير 2025, 01:01 مساء
أحمد الفيتوري

«نعم لم يعد العالم ما تمردوا عليه، كل شيء تغير، لدرجة تجاوزت أحلامهم، لقد تحققت إرادتهم ولكن ليس أحلامهم. فالعلم ما جعلوه وثن الحداثة، تجاوز توقعاتهم، والحرب الكبرى الأوروبية الثانية أنهاها العلم بالذرة، فأنتج توازن الرعب والحرب الباردة، وتحت طائلة هذا التوازن/ الرعب البارد، غيروا العالم».

مكتبة البركة تعج بكتب جديدة، صديق أخبرني بذلك ثم دعاني أن نذهب إليها، في اليوم التالي ركبنا أتوبيس الدورة، ما هو يلف أحياء بنغازي التي تكون أطراف المدينة، ثم تكون محطته الرئيسة، ميدان البركة حيث المكتبة الكنز المبتغى، مكتبة الأندلس للنشر وبيع الكتب. غمرتني الكتب فكنت أريدها كلها، أخيرًا اخترت عددًا منها، لما جئت لدفع الثمن لم أتمكن لضيق ذات اليد.

بدأت في اختيار ما يساوي مقتدري المالي، صوت من داخل المكتبة قاطع المحصل: أعطه كتبه كلها سأكمل لك المبلغ الناقص، دهشت عند دفع المبلغ خرج على عجل قائلًا: إن هناك حصصًا في المدرسة لم أكملها وسنلتقي فيما بعد، تفحصته: يبدو أنه معلم من أناقته كلاسيكية التي تفصح عن شخصية صارمة. فكرت لا أعرفه فكيف تسنى له فعل وقول ذلك؟ لكن غبطة حصولي على الكتب دكت حرصي على معرفة من يكون. وفي البيت تذكرت أني شاهدته مرة، في مقر «فرقة المسرح الحديث» حيث كنت عضوًا، ومقر الفرقة في وسط البلد، ما كان «سينما النهضة: الصيفية، ما موقعها جعلها نارًا على علم أو كما يقال».

كان أول لقاء لي مع «مصطفى الهاشمي»، من يكبرني بسنوات، وقد كنت تلميذًا فيما هو مدرس رغم ذلكم بات الصديق...، صديق العمر، حيث هو أيضًا عضو «فرقة المسرح الحديث» بل ورئيس اللجنة الثقافية للفرقة، فيما كنت رئيس تحرير مجلتها «الرائد» ما تطبع استنسل. وبهذا يكون «مصطفى الهاشمي» رئيسي، لأن المجلة تتبع اللجنة الثقافية.

وقد غدونا أصدقاء حميمين، بخاصة في شلة واحدة، والمخرج المسرحي ثم التلفزيوني على محمد المصراتي ورئيس الفرقة المخرج والمهندس الراحل على بوجناح.

تتابع السنين، تتابع نشاطات الفرقة المشترك، تتابع علاقة الشلة، عمق ودفع علاقة الصداقة إلى المعايشة اليومية، حتى غدوت صديق أصدقاء مصطفى، من عرفت أنه من مدينة مصراته التي تبعد عن بنغازي 800 كلم، وأنه أعزب يقيم عند أخواله في بنغازي حينًا وحينًا آخر يقيم مع جماعة أو أخرى من المدرسين.

أولئك عرفت منهم ثلة من الفلسطينيين، الذين لهم نشاط سياسي في منظمات فلسطينية شهيرة حينها، واليساري منها كان محظورًا في البلاد التي يعملون فيها، وفيها من تحزب خان، شعار العقيد القذافي رئيس مجلس قيادة الثورة المسيطر على ليبيا.

ذا مما وطد العلاقة والتقارب الفكري بيننا، فالهاشمي يساري صريح لا يبالي السلطة القمعية ولا المجتمع المحافظ، وبالتالي كانت القضية الفلسطينية قضيته، التي قربتنا إلى جماعة من المدرسين الفلسطينيين المثقفين من يقيم معهم ومنهم الكاتب سلطان حطاب والشاعر الراحل محمد القيسي، وقد وردت أسماؤهم عند القبض علينا والادعاء بأننا كوَّنَّا حزبًا، يهدف لإسقاط مجلس قيادة الثورة والاستيلاء على السلطة في البلاد.

كنا ثلة من الأصدقاء في مقتبل العمر، حين قبض علينا بشكل متعسف وإصدار حكم بالإعدام مخفف للمؤبد، حيث قضينا في السجن سنوات عشرًا. مصطفى الهاشمي المرح الساخر ساهم في جعلنا نحن الاثني عشر أكثر قوة، في مواجهة المحنة مما متن علاقتنا.

وهو صاحب ذاكرة جيدة حفظ أغاني رددها كثيرًا وخاصة منها أغانيَ إيطالية نضالية، ومن طرائفه أنه زار ألبانيا يوم كانت قلعة شيوعية مغلقة، خارجة عن الاتحاد السوفيتي حكمها أنور خوجة لعقود، وكثيرًا ما حكى عن هذه الزيارة وما يشبهها المرة تلو المرة، باعتبارها من نوادره التي تتعدد وفي مجالات مختلفة.

وخفة ظله عجيبة فهو يبدو شخصية صارمة مثل أب أو معلم، لكن هذا الكاركتر هو ما كان يجعل منه شخصية منفتحة ومرحة، وبذا فهو كما يقال صاحب صاحبه، والمعلم في نفس الوقت كل الوقت، منذ التقينا في مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضي، في الفرقة المسرحية، في النشاط العام، في لقائنا شبه اليومي وفي الرحلات، وفي هذا شخصية استثنائية لا تنسى، وأما مواقفه فتتنوع في مجالات متباينة الاستثناء.

لصديقي ورفيقي مصطفى الهاشمي، من يعاني منذ فترة مرضًا عضالًا متمنيًا له الشفاء، ذاكرة حادة، كما أنه في ذاكرة أصدقائه ومعارفه وتلاميذه ذكرى حادة حد التطرف، ليس من السهل غيابها لأنه يتجلى غائبا كما حاضرًا، فمصطفى مصطفى من الاعتياد.

وفي حياتي ومن يهتم بالشأن العام، وبالمسألة الليبية شغله، صديق هو «مصطفى بلعيد»، صنو مصطفى الهاشمي، من كان كما بيت تسكنه، وبيته كذلك في بنغازي ثم في مصراته، والحق أنهما المصطفان الصديقان من كل منهما يحيلك على الآخر، وعن «مصطفى بلعيد» بيتنا الطرابلسي حديث قادم....



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»