لا أنكر أننّي أحسُّ ببهجة غامرة، كلما صدف واستوقفني شخصٌ لا أعرفه في شارع ما، في مدينة ما، وشكرني على ترجمتي لكتاب «ترياق للثعابين ـ Cure for Serpents A» للكاتب الإيطالي البيرتو دينتي دي بيراينو.
مبعث غبطتي ليس في توفيقي في تقديم «ترجمة دقيقة وأنيقة» حسب وصف صديقي الكاتب منصور بوشناف، بل أعزوها إلى نجاح، لم أكن أتوقعه، في نقل وإيصال فكر وجماليات أسلوب المؤلف إلى قرّاء العربية في كل مكان، بأمانة وسلاسة. فخرج الكتاب في أغلبه، وكأنه ليس نصًّا مترجمًا من لغة أخرى، بل كتب باللغة العربية. وهذا، على الأقل، ما ذكره لي أصدقاء كثيرون أثق بهم، وأعتز بشهاداتهم.
تلك السلاسة في الترجمة، ومن دون مطبّات أو عوائق، جعلت قراءة النص العربي تبدو في سلاسة قيادة مركبة في طريق أُنْتُهيَ للتو من تعبيدها بالإسفلت.
ما لا يعرفه كثيرون من القرّاء، هو أن ترجمة ذلك الكتاب كانت أول محاولة لي في الترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية. وكونها التجربة الأولى، جعلتني أتهيّب منها، وأحرص كثيرًا على دقتها وأناقتها. فخرجت في النهاية بشكل فاجأني شخصيًا. وجاءت التجربة في وقت كنتُ فيه «عَطّال بَطّال، لا خِدمة ولا قدِمه». فكان لديَّ كل الوقت في العالم والمزاج أيضًا لأشغل نفسي في ترجمة نصّ أدبي وتاريخي، إلى حد ما، يكشف عن حقائق اجتماعية مسكوت عنها في واقعنا الليبي، وأتربّح منه مالًا، كنتُ، وقتذاك، في أمسّ الحاجة إليه.
ثمة سرُّ أذيعه للمرّة الأولى، وهو أنني أقدمت على تلك التجربة بروح شخص موتور، يريد إطفاء لهيب نيران ثأره من جرم لحق به، عن سبق إصرار وترصد، من قبل مترجمين وأصحاب دور نشر عربية. الجُرم المرتكبُ ضدي تمثل في الترجمات التجارية السيئة التي وقعت بين يدي وقرأتها، لكثير من الأعمال الإبداعية العالمية، والكتب المهمة، وأصابتني بالحنق والغضب، خاصة بعد أن تعلمت اللغة الإنجليزية، وأعدت قراءة العديد من الترجمات بلغتها الأصلية، واكتشفت الخديعة.
ذلك الإحساسُ المُرُّ بالخديعة، كان وراء انتقامي من كل أولئك المترجمين العرب، وأصحاب دور النشر، الذين احتالوا عليَّ كقارئ، وخدعوني مع غيري من القرّاء أمثالي، الذين كانوا يحاولون جاهدين الاطلاع على آداب وثقافات الأمم والشعوب الأخرى.
تلك الخديعة أفادتني في أنني حرصت على تقديم ترجمة تقترب من النصّ الأصلي إلى أقصى درجة ممكنة، بحيث يشعر أي قارئ بالعربية بشيء من الرضا لدى الانتهاء من قراءة الكتاب في ترجمته العربية، ويشعر أنه لم يكن عرضة لاحتيال، ولم يخسر مالًا أو وقتًا وجهدًا، وأن يتذوق الكتاب في لغته العربية، كما استمتعت به في لغته الإنجليزية، وينتابه نفس الشعور بالابتهاج، الذي تملكني لدى الانتهاء من قراءة النصّ الإنجليزي أول مرّة.
وأعترف كذلك ثانية أنني حين أعدت التجربة مرة أخرى، مع كتاب آخر فشلتُ في تحقيق ما أنجزته في التجربة الأولى. ورغم أني لم أكن، كالمرّة الأولى، محتاجًا للمال، ومضطرًا لقبول المهمة، إلا أنني خلال فترة عملي على الكتاب، كنت أكرس للترجمة ما يتبقى لي من وقت قليل، بعد ساعات الدوام اليومي الطويل. وكنت أحيانًا من شدة التعب والإرهاق أتجاهلها لفترات طويلة. ويبدو أن الصلة الحميمة التي نشأت بيني وبين كتاب «ترياق للثعابين» لم تتكرر مع الكتاب الثاني. وزاد ذلك في عبء ثقل التجربة. ووجدتني، في كثير الأحايين، آتي إلى الترجمة مرهقًا مجرجرًا قدميّ على الأرض بتثاقل، مثل تلميذ كسول يؤدي واجبًا مدرسيًا مكروهًا. وتمنيت لو أنني اعتذرت منذ البداية عن قبول المهمة.
وأعترفُ ثالثة أنني أقلعت نهائيًا عن الاقتراب من الترجمات الأدبية، لأن عملي في ترجمة الأخبار والتقارير الإعلامية يوميًا، على مدار سنوات، سدَّ شهيّتي عن الترجمة، وأقام حاجزًا بيني وبينها، حتى صرتُ لا أطيقها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات