Atwasat

بهويتها مثقلة

منصور بوشناف الخميس 10 أكتوبر 2024, 02:12 مساء
منصور بوشناف

الأمومة والعذرية قيمتان أخلاقيتان متناقضتان تماما فإما أن تكون المرأة عذراء وهي مقدسة لعذريتها، وإما أن تكون أما «وليست عذراء طبعا» ولكنها مقدسة لأمومتها وخصوبتها. على هذا النحو ظلت المرأة في الحضارات البشرية المتعاقبة، وظل إيجاد رمز يجمع هاتين القيمتين المقدستين أمرا مستحيلا.

ظل فصل الأمومة عن العذرية أمرا حتميا إلى أن جعل الله «مريم العذراء» رمزا وأيقونة يجمع القيمتين المتناقضتين «الأم والعذراء» لتصير النموذج الأنثوي الأقدس عبر التاريخ.

تأطير القيم الحضارية للمجتمعات داخل إطار اللوحة الحاملة لكل المتناقضات والقادرة على رسم التناغم بين الألوان والقيم، بين خطوط «الذكورة» ودوائر «الأنوثة».

في تجربة التشكيليات الليبيات تظهر قيم تبدو «اجتماعيا» متناقضة ولا يمكن الجمع بينها وتأطيرها معا، فالجسد الأنثوي مثلا «محرم الظهور» لأنه فتنة وعار وهو أيضا حامل لقيم العرض والحشمة والأمومة والعطاء، لذا ظل الجسد الأنثوي يظهر مكسوا بالبياض في شوارع المدن الليبية حاملا كل تلك القيم الأخلاقية والاجتماعية ومثل ذلك الظهور المكسو بالبياض أيقونة لتأطير التكامل بين القيم المتناقضة وتناغمها مثلها كمثل ذلك النموذج الرباني «مريم العذراء» أو الأم والعذراء.

كانت تجربة التشكيليات الليبيات محكومة بحمل هذه المتناقضات، فأعمالهن أظهرت الليبيات وهن يحملن الأصيل والحديث، القديم والجديد، الجسد والغطاء. إن موضوع الهوية ظل يبرز في أعمالهن رغم ما تحمله هذه «الهوية» من قيود اجتماعية وثقافية ضد مشروعهن الحديث.

في أعمال «نجلاء شوكت الفيتوري»، وأعتبرها رائدة في الزمن الصعب، تظهر المرأة الليبية غالبا بزيها الليبي، وعلى الرغم من جمال ألوان «نجلاء» يبدو الزي ثقيلا على كاهل المرأة، وفي غالبية لوحاتها لا تظهر المرأة وحيدة بل تصور اللوحات نساء يتشاركن فضاء واحدا، وفي بعض اللوحات تحيط كل واحدة منهن دائرة «يمكن أن تكون رحما أو معتقلا أو عزلة اجتماعية» إن الدائرة، رمز الأنوثة في التشكيل تتحول عند نجلاء الفيتوري إلى معتقل أو غرفة عزل تصرخ المرأة بحثا عن مخرج منها.

الإطار أو اللوحة الشباك تأخذ في لوحة لنجلاء الفيتوري شكل الفصل والعزل بشبابيك منفصلة رغم تجاورها ونساء يستمعن لعازف موسيقى مفصولات عنه.

في لوحة أخرى تظهر ثلاثة أجيال من النساء: الجدة بردائها الليبي ووجهها مكشوف والأم منتقبة وبجلباب أسود وثلاث طفلات ملفوفات تماما إلا رؤوسهن بغطاء في سرير، رغم إطار اللوحة أو المشهد الحديث إلا أن النكوص والتراجع الحضاري ينقب الأم ويلف الحفيدات تماما على الرغم من وجودهن داخل البيت وغرفة نوم للطفلات.

نجلاء الفيتوري تنهج نهجا تصويريا، وتعتمد على الأشكال التراثية المعبرة عن الهوية، لتعبر هذه الأشكال التصويرية عن رسالتها التي هي «البحث عن تناغم بين الأصالة وتحولات الهوية، وما تعانيه نساء هذه الهوية من آلام وعذابات في معتقلات الأنوثة الحديثة».

تكاد أعمال نجلاء الفيتوري تخلو من حضور الرجل الليبي إلا نادرا، فهي تكرس أعمالها للمرأة، فتظهر المرأة الليبية في هذه الأعمال ورغم التزيين وهذه القوطية المحلية التراثية مقيدة وسجينة بتلك الأزياء والحلي الثقيلة.

إن دراما التناقض وصراع القيم الاجتماعية، صراع اللوحة كفضاء حديث لوجود الإنسان، واللوحة كحلقة تطبق على المرأة وتعزلها، تناقض ثقل الأزياء التراثية والتزيين وهشاشة الكائن النسوي المكبل والمثقل بكل ذلك الموروث التزييني، ثقل القناع وهشاشة الجسد والروح، زينة العذرية وآلام المخاض والأمومة.

هذه الدراما لا تظهر في أعمال نجلاء الفيتوري فقط بل تظهر في أعمال غالبية الرسامات الليبيات، اللاتي رسمن المرأة الليبية وهي ترفل مثقلة بهويتها وموروثها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»