منذ الحرب العالمية الثانية وحتى نهايات القرن العشرين، ظلت ثورات الأطراف أو التخوم ضد المركز مشتعلة، كانت حروب الاستقلال الوطني ضد المركز «المستعمر» هي الثورة العالمية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
تلك الثورات خاضتها الأرياف والبوادي والغابات وكانت المدن رغم تكوينها الاستعماري كمراكز لمسخ الروح الوطنية وتهجينها بثقافة المستعمر، قد شكلت نخبًا وطنية قادت تلك الثورات من أجل الاستقلال وتكوين الدولة الوطنية.
الأرياف والبوادي والغابات شكلت قلب تلك الثورات وقادها عقل الاستقلال والنهضة المدينية، فما كان لثورات الريف والبادية والغابة أن تأخذ شكل النضال من أجل الاستقلال والدولة الوطنية دون «عقل» أو النخبة التي شكلتها المدينة المحتلة والمهجنة.
نخبة المدينة التي قادت ذلك النضال سياسيًا، كانت تدرك أن عليها أن تواصل مشروع التحديث الذي بدأه الاستعمار وأن تلحق بالعالم الحديث كدولة وطنية حديثة ومستقلة، كان عليها أن تخلق ذلك الهجين الجديد «الحديث والمستقل»، وذلك كان المشروع الأكثر تعقيدًا وصعوبة، فلا تحديث دون المركز والارتباط به، ولا استقلال حقيقيًا دون الانفصال عنه.
هذا «البارادوكس» عاناه قادة ومفكرو العالم الثالث الوطنيون ومشاريع النهضة والحداثة والاستقلال، هذا المشروع الهجين والمتناقض أنتج ما عرف بالأنظمة الوطنية والانقلابات العسكرية، كما أنتج المأزق الألماني الحركة النازية بعد الحرب العالمية الأولى.
أنظمة وانقلابات هذا المشروع الهجين تأرجحت من بين مكونيه الأساسيين «الاستقلال والتبعية» فكان مناضلًا من أجل الاستقلال وكان تابعًا من أجل اللحاق بأمم المركز الاستعماري، ليظل متأرجحًا هكذا حتى بداية انهياره في نهايات القرن العشرين وسيادة نموذج «الكمبرادور» التابع تمامًا.
على هذا النحو وتعقيبًا على مقالتي «سالم العوكلي وعمر الككلي» ببوابة «الوسط» وما أضافاه لمقالتي عن ابن خلدون والعصبية، أرى أن هذه الأنظمة الهجينة قد أعادت كتابة الخلدونية على نحو عكسي، ففي موجة نزوعها الاستقلالي، فككت المدينة لصالح العصبية الأولى «ترييف المدينة أو بدونتها» من أجل العودة إلى بداية التاريخ والتأسيس من جديد، إحياء العصبية الأولى البدوية والريفية لتكوين العصبية الثانية «الدينية أو الأيديولوجية المستقلة والمنفصلة عن نموذج الحداثة الاستعماري»، لتنجح في البدونة والترييف والانهيار، والتفكك إلى صراع العصبيات البدائية الأولى.
ربما تكون ليبيا النموذج الأفضل لهذا السيناريو الخلدوني في معركة استقلالها وتكوين دولتها الحديثة وثوراتها التي لم تنقطع منذ الفترة التركية وحتى الآن وفي مسيرة «الفاتح» المعاكسة للتشكل والتفكك والانهيار الخلدوني، واستمرار هذا التفكك والانهيار بعنف ظاهر، ليبدأ تشكل عصبيات بدائية جديدة، ولتتحول المراكز الحضرية إلى مراكز قبلية وإن سمَّت نفسها مدنًا.
إننا نسير في اتجاه ممنوع، تلك المسرحية الفرنسية حيث تبدأ الحياة من نهايتها ويرجع الكائن إلى الخلف حتى يتلاشى نطفة تسبح في رحم العدم.
يولد الأطفال بلحيهم شيوخًا خرفين لاهين لأمهات طفلات وآباء أطفال، وكلما كبروا صغروا في رحلة نحو الشباب والطفولة ليتلاشوا عائدين نحو الرحم الذي أنجبهم شيوخًا ملتحين.
ألا نعيش تفاصيل هذا العود؟ ألا نرى أطفالنا ملتحين وآباءنا وأمهاتنا بالجينز والميني جيب؟
غيبوبة الصحوة تظلل كل شيء في هذا الجيب الأنثروبولوجي الخلدوني العجيب، فهل سيكون بإمكان أطفالنا الملتحين أن يكونوا العصبية الدينية كما فعلت السنوسية أم أنهم يتفتتون شيعًا وأحزابًا ليتلاشوا نطفًا في رحم العدم الخلدوني بعد أن يكملوا كتابة الفاتح للخلدونية، أعني العودة بتفكيك المدن إلى العصبية الأولى؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات