Atwasat

طليعة

صالح الحاراتي الأربعاء 19 يونيو 2024, 09:34 مساء
صالح الحاراتي

الطَّلِيعةُ من الجيش أي مقدّمته

ومن يُبعَث أمامه ليطّلِعَ على وضع العدو، ويقال هو في الطَّلِيعَةِ: أي في الواجِهة، وفي المقام الأَوَّل.

من المظاهر الحضارية والتي تدل على الهمّة والحيوية وحب العمل في المجتمعات البشرية، وجود أفراد منها في مجموعات صغيرة تقوم بتداول وتهتم بشؤون الحياة وما يجري فيها من أحداث تستحق الاهتمام والحوار حولها، وتقديم الآراء والاقتراحات والحلول لتجاوز المصاعب التي تعرقل سير الحياة بطريقة آمنة ومستقرة، فالمصطلح يشير إلى الأشخاص أو الأعمال المجدِّدة، وعلى وجه التحديد فيما يتعلق بالفن والثقافة والسياسة والفلسفة والأدب.

في بعض الأيديولوجيات يسمونهم بـ«الطليعة»، وفي مجتمعات أخرى ينعتونهم بـ«النخبة»، ولسنا هنا في مجال تفصيل الأمر أيديولوجيًا..

ولكن ما أنا بصدده هنا هو الإشارة إلى نموذج من «طليعة متميزة» موجودة في مجتمعنا، وسبب تميزها أنها عفوية لا تحتاج إلى غرف مغلقة ولا إلى صالونات مرفهة لكي تلتقي وتجتمع.. حيث أن أي ناصية شارع تؤدي الغرض.. يسمونهم في بلادنا تندرًا بجماعة «لانجولي» استعارة من اللغة الإيطالية (angolo) أي الناصية؛ وهم ثلة من المواطنين يتجمعون في نواصي الشوارع، يتتبعون حركة ظل الشمس من ناصية إلى أخرى ويتميزون بالمرح وخفة الدم وسرعة البديهة، أما حصيلتهم المعرفية فلا حدود لها!

كرة القدم تأتي على رأس اهتمامهم رغم إنهم يتحدثون عن كل ما يجري في العالم، بالتفصيل والتحليل سواء في الاقتصاد أو السياسة والموسيقى والأغاني والحروب من أوكرانيا إلى ما يجري في السودان وفلسطين وغير ذلك، لكنهم يتميزون عن بقية خلق الله من النخب والطلائع فى المجتمعات الأخرى، إنهم يتناولون في حديثهم وبدرجة متدنية من الاهتمام ما يتعلق بواقعهم المتردي وما يحدث فيه وكأنهم في حالة ترف معيشي ودرجة عالية من «البحبوحة» والرخاء لا تستدعي منهم الالتفات إليه.

وقد حاولت تفسيرًا لذلك فسمعت ردًا من أحد الأصدقاء حين قال لي أن ذلك الحال ليس بسبب السلبية في شيء، فهم على قدر من الحصافة والحكمة، وعلى يقين بأن ما يجري في بلادهم ليس من صنع أهل السلطة فيها، ولذا لا يرون فائدة ولا ضرورة للاهتمام بالشأن العام، فيتركون شأنه إلى ما تحمله الأيام من أحوال وتطورات ينتجها ما يُسمى بأهل الخارج!

المهم أنني لا أرى تلك الطليعة بشكل سلبي فهم يلتقون رغم افتقادهم لأماكن الترفيه والمنتزهات والنوادي والمراكز الثقافية والمسارح ودور السينما.. إلخ.

تابعت شأنهم فترة من الزمن، فتبين لي أن طليعة «لانجولى» هذه تتميز بريادتها في نحت مصطلحات جديدة في منظومة الكلام باللهجة المحلية فتسمع منهم مفردات ومسميات لم يسبقهم أحد عليها.. وهي مسألة تحتاج إلى بحث وتوثيق حفاظًا على هذا الإبداع العفوي التلقائي.

لا يفوتني الإشارة إلى إيجابية أخرى غير ظاهرة للوهلة الأولى.. إنهم جماعة تتميز بعلو طبقة أصواتهم، حتى يخيل إليك أنهم في حالة عراك حامي الوطيس، ولكن الحقيقة أنهم يوجهون حديثهم إلى جماعة أخرى تشابههم على الناصية الأخرى في تأكيد على إنهم نموذج ملفت لحسن التواصل والتفاعل مع الآخر.

من إيجابياتهم أيضًا أنهم يقومون بدور الدليل لأي عابر سبيل يسأل عن عنوان معين، فمعلوم أن البيوت عندنا بلا أرقام ويجري تقريب وصف العناوين من خلال قربها من محطة بنزين أو جامع أو صيدلية.. إلخ. وهو دور إنساني يستحق التقدير.

لكل ما سبق وغيره يبدو لي ضرورة الاهتمام بأولئك المتميزين والاستفادة من قدراتهم ومواهبهم.