Atwasat

يجول شبحا موسوليني وهتلر على الرقعة!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 25 يونيو 2024, 01:13 مساء
أحمد الفيتوري

أعترف أني مرعوب، مما يحدث في أوروبا، أكثر مما يحدث في ليبيا بلادي، فبلادي في الأول والأخير ليس له في «توازن الرعب» قيد أنملة، وما يحدث فيه من تحارب أهلي يخصه، وفي أقصى حد يخص جيرانه، إضافة إلى أن مدينتي بنغازي، تبادل احتلالها جيوش الحلفاء والمحور أكثر من مرة، ما جعلها تشبه برلين عند نهاية الحرب. إن أوروبا مركز العالم، وهي قارة الحروب الكبرى، على الأقل خلال قرن من الزمان ونيف، والحرب التي تخوضها روسيا، لأجل احتلال أوكرانيا، هي أول حرب، بعد حرب أوروبا الكبرى الثانية، وفي الوقت نفسه، وقد علت أصوات المدافع والصواريخ، فإن مما يذكر بأجواء الحرب الكبرى الثانية، فوز أحزاب اليمين المتطرف، في الانتخابات الأوربية، وقبل فوز ترامب في أميركا، من ما زال يهدد بعود غير أحمد.

وفي مشهد الرعب هذا، يجول شبحا موسوليني وهتلر على الرقعة، وحتى إن لاعَبا شطرنج الخطر، من العصر السيبراني، فإن اللاعب الرئيس: الخوف من الآخر. ولا أحد يستطيع أن يزعم، أن الخوف من الآخر العامل الأول أو الأوحد، ولا حتى المفكر الروائي «أمين معلوف»، من ركز عليه وكتب فيه، كما في كتابه «الهويات القاتلة»، لكن من الممكن اعتباره، العامل الذي قلب الطاولة، على الأقل في هذه الألفية. لقد بشر أنبياء الخوف، بأن القيامة الآن في يد الآخر، حيث السبيل الحتمي لـ«نهاية التاريخ» هو «صراع الحضارات». اللافت للنظر أن نظرية الخوف من الآخر، قد عممت بعد إسقاط الاتحاد السوفيتي، ما بدد ريح الإمبراطورية الروسية وخطرها، فنشرت مظلة القطب الواحد ظلها وظللت العالم بالعولمة، ما في ظلها كان الآخر خارج الغرب، في الشرق وبالتعيين في الشرق الأوسط. وفي هذا الخصوص، وضعت نظريات وبرزت مفاهيم وأفكار، ثم ألفت روايات وأنتجت أفلام، بخاصة فيما اشتهر بفوبيا الإسلام، وحينها كانت روسيا غارقة، تحت نير تداعيات لعبة الدومينو السوفيتية، ومسألة الهوية على الطاولة.

أما بعد الربيع العربي، فلقد تمظهر الخوف من الآخر، في الخوف من آثار ذاك الربيع! ما انتشر على أثره الخوف بين أبنائه، كالنار في الهشيم، ثم عمم الخوف من المنطقة العربية، ما باتت مرة ثانية الآخر بامتياز. وفي هذه اللحظة الاستثنائية، كان ناتج ذاك الربيع الرئيس الخوف، فعم الاقتتال الأهلي، ولقد غدت شعوب عربية وأعجمية ممزقة، مركبها البحر في هجرة لا مثيل لها من آسيا، رفقة أخوتهم الأفارقة. وفي هذه الحالة لم ينظر أحد للمسببات، فأجمع الجمع على النتائج الوخيمة، التي تظللت بالخوف من الآخر. وعندها كان الحال، كما يصفه أمين معلوف: «هنالك كلمات بعينها، تشلّ الناس من الخوف، أو تؤدي إلى التهميش أو التخوين. لا يسأل المرء أبداً عن الاتجاه، الذي نريد المضي فيه، وما الذي نسعى لبنائه. النقاش تشله الشعارات، التي تطغى على كل شيء، بمساعدة المزايدات الديماغوجية، وتعيق النقاش العقلاني».

وفي حال كهذه، أصبحت مظلة الإرهاب الدولي، ومن خلال حرب هذا الإرهاب، تدفق الهاربون بحثا عن النجاة في أرض الميعاد أوربا، ما نزح عنها قبل، لاجئون أوربيون يهود، إلى أرض الميعاد فلسطين!. النازحون، من ويلات الإرهاب الدولي، والحرب الأهلية، وضحايا ثقب الأوزون، أضحوا مهاجرين غير شرعيين. ولمواجهتهم أعيد إحياء الخوف من الآخر، ما عم أوروبا واكتسح الحياة اليومية لشعوبها. كانت ميركل مفردة، تواجه حرب الخوف من الآخر، بحقائق الأرض الأوربية العجوز، ما تحتاج إلى الأيدي الشابة التي توفرها الهجرة، ولذلك فقد منحتها الأمم المتحدة، جائزة الهجرة.

إذا فأوروبا، التي دفعت شعوبها في اتجاه الخوف من الآخر، حصدت ما زرعت، أصاب الوهن قواها الناعمة، وتحت ثقل الخوف، انهارت أعمدتها الثقافية التاريخية، وبهتت رموزها الديمقراطية. ففاز اليمين المتطرف/ عصبة الفاشية، في الانتخابات للمرة الأولى، في السويد وإيطاليا، وكانوا قد فازوا في النمسا والمجر، وباتوا أقوى وعلى أبواب الإليزيه في فرنسا... وهلم جرا. وبالتالي فإن أوروبا تعاني من تصدع، وصداع شعبوي ملحوظ، مع مواجهتها لمشروع «بوتن»، لاستعادة الإمبراطورية الروسية، باعتباره «بطرس الأكبر» في العصر السيبراني. اليمين يدق بكل يد مشرعة أبواب قصور السلطة في أوروبا، وبات ينجح المرة تلو المرة، وإن كان يذكر بشبح موسوليني أو هتلر لكنه غير ذلك، فلكل ظرف دوافعه ومتطلباته ولكل عصر فاشيته.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»