Atwasat

جناية هؤلاء

سالم الكبتي الأربعاء 19 يونيو 2024, 07:04 مساء
سالم الكبتي

(مهمة الكاتب أن يكتب الحق)
همنغواي
في الفترة الأخيرة بات يلاحظ أن أغلب صفحات التواصل الليبية أصبحت ظاهرة مقززة إلى أبعد حد. خطاب الكراهية. خطاب الازدراء. خطاب السخرية. خطاب التهويل والمبالغة. خطاب التزوير في تفاصيل التاريخ الليبي بكل صفحاته السياسية والاجتماعية والثقافية. ظلت منصات التواصل شاهدة على ثقافة منحدرة إلى الحضيض وتمثل في معظمها اندفاع الكثير من الهواة والصغار الذين يفتقدون الخبرة والمعرفة والمصداقية نحو الكتابة الرديئة وفقا لهواهم الشخصي بتوكيد عديد المعلومات المغلوطة في المعارف التاريخية والأدبية. ويصلون بذلك في النهاية إلى تراكمات وحزم مخجلة من التحريف والتزوير المتعمد.

وتلك قضية خطيرة إذا ما ظلت على ماهي عليه دون تحذير أو تصدٍ أو تنبيه لكي لا تضحى مصدرا من مصادر المعلومات والتوثيق. إن كل ذلك التصحيف والتحريف والإفتاء بغير علم في هذه السياقات يتم أمامنا في وضح النهار والليل أيضا. إن هؤلاء يقعون تحت أسر الحماس والادعاء المفرط فيواصلون كتابتهم المزيفة ويلاقون في ذات اللحظة من أمثالهم حماسا مماثلا وتشجيعا وتصفيقا لا يتوقف.

في الجانب المقابل وعند ملاحظة ورصد هذا الذي يقع بكل أسف يقودنا إلى دلالة محزنة تلخص واقعنا الذي نحن فيه من كل النواحي لتكتمل المأساة بتزوير الذاكرة وطمس معالم التاريخ وتفاصيله وتزويره. وهذه الدلالة تشير إلى ثقافة بدأت تترسخ بيننا وتنتشر وتفيد بأنها ثقافة تخلف وتدمير لكل المقومات. فماذا سنقول غدا لكل الأجيال والحال كذلك من هذا التزوير والخلط والتشويش.

الكتابات التي تفعم المنصات والصفحات تدور في مثلث من الوهم والخيال والشطح ودون علم أو تحقق أو رجوع إلى المصادر الأولية والشواهد المضبوطة وأحيانا يرفقون ما يهرفون به بصور ووثائق لا تتسق وموضوعهم. هم في جهة وهي بالمقابل في جهة بعيدة عنهم.

وتؤدي بهم إلى التناقض ومع ذلك فهم لا يخجلون أو يتراجعون. والكذب هنا يظل مسلمة أو حقيقة ثابتة وتلك مشكلة كبيرة إذا ما ظلت تلازمنا. إنها تبقى مع الوقت مرجعا يستند إليه البحاث والدارسون للأسف خاصة في غياب المصادر والمعلومات عندنا وسط الظروف التي تعيشها ليبيا. ضياع الوثائق والمراجع والمخطوطات.. وكل ما يستند إليه. إننا بهذا نظل وسط معلومات ومصادر جديدة مغلوطة ومزورة فكيف يصح حال تاريخنا وكيف نصدقه مستقبلا وكيف نعول عليه. وزاد ذلك مع غياب المؤسسات الرصينة التي تنهض بعبء المواجهة والتنبيه وتصريف المياه العكرة وسط المجاري المسدودة!.

لقد صار ما يكتب هذه الأيام مدعاة للعجب والسخرية حين يظل وكأنه الأمر الواقع المسلم به. وذلك أيضا يحملنا أحيانا إلى الضحك والرثاء حيال ظروف قاهرة كما يقال أوجدت هذا الأمر والعلل وأتاحت الفرصة أمام ذوي العاهات والمرضى ممن لا يلتمسون الحق ولا يراعون ضمير الكلمة وكرامة القاريء والأمانة والمصداقية والوعي تجاه قضايا الآخرين وثقتهم التي تتداعي أمام ما يحدث فوق الرصيف.

إن هذا الخلط والكذب يعد جناية كبرى لا تختلف عن جنايات الاعتداء والقتل وسلب الحقوق وهو يلاحظ بأنه يطوي في تخرصاته أمور السياسة والتاريخ والثقافة والفن والرياضة وحتى الأطعمة والمأكولات وصور الأعلام وتزويرها. وصرنا بذلك وسط سيرك من الحواة والقرداتية يعرض زيفا وكذبا يمر على الدوام دون تصحيح أو تصويب أو لطعة على الوجوه!

وبهذا كله.. الخلط والكذب والتشويش والادعاء تتكون المعلومة المغلوطة المبهمة وتبقى صحيحة ويعتمد عليها وتبتعد المعلومة الصادقة الصحيحة. صفحات الفيس الليبي تمتليء بالمضحكات المبكيات علاوة على خطاب الكراهية والتعصب والتأليب حتى من أشباه المثقفين الذين يبحثون عن دور مفقود منذ زمن. واختفت أيضا صفحات تتسم بالعقل والاتزان وظل الخطاب الليبي في هذا العالم الافتراضي وسط العالم الحقيقي الذي نعيشه خطابا فريدا في نوعه يمتليء بأمثلة سوداء.

فلمصلحة من يقع هذا التراكم المخجل وما الداعي إليه وإلى ماذا سنصل في النهاية. إن الصفحات المجردة من الأخلاق والكتابات الكاذبة لا تعلم أجيالنا سوى الكذب والتخلف. إن الأدعياء يهربون من واقعهم إلى عالم يخلقونه لأنفسهم لأنهم مرضى الوهم والادعاء وهذه الطريق تقود غلى حافة الانهيار في نهاية المطاف.

ثمة كاتب لا يتوقف عن الكذب ويدعي ما ليس فيه وما لم يقم به ولم يشارك فيه ويوهم الآخرين بهذه البطولات. لقد ألف هذا الكذب وتصادق معه منذ زمن ومع الفشل المريع الذي يناله عبر هذا الضلال وهذه الجناية الفاحشة لم يراجع نفسه ويعرف قدره. وتلك مشكلة أيضا سنظل نعانيها عندما ينهض أي كاتب باستعراض ادعاءاته ودعاواه الفارغة ولا يتوقف عن هذه الحماقات المخجلة. إنه ينسى معاصرة الكثيرين لما يقول. وينسى الوثائق والشواهد وينسى نفسه أيضا وينسب إليها ما ليس فيها.. هذا يحدث كما قلت في وجود الفراغ الثقافي وغياب النقد والمتابعة والتوكيد على ضرورة التصويب والتنبيه وسيسمح بالمزيد من الثغرات والخلل في الحالة الليبية التي يكفيها.. ما فيها من هموم ومشاكل وأزمات أخرى.

هنا لابد من توضيح الفرق بين الكتابة الامينة والكتابة المزيفة والملفقة. ولابد من الإشارة إلى أن الخطأ أو السهو يحدث كثيرا دون قصد في النتاج الفكري بصورة عامة سواء في المقالات أو البحوث أو النقاشات والمبدع الحقيقي عبر ذلك كله لا يستنكف من التصحيح والتصويب والاعتذار وذلك ليس عيبا على الإطلاق بل يعد مفخرة له تحسب في حياته العلمية والفكرية. لكن التعمد وتقصد ارتكاب الفعل والجناية الفكرية والأدبية والبحثية والعلمية أمر لا يغتفر أو يمكن تجاوزه. لأنه كذب. لأنه تزوير. لأنه ادعاء. لأنه كارثة بكل المقاييس.
هل يفهم الكاتب الأغر بأن مهمة الكاتب الحقيقي أن يكتب الحق أو يصمت ويتوارى ويغلق فمه إذا عجز عن ذلك؟
ولنحذر جميعا جناية هؤلاء وأمثالهم على تاريخنا. ولتحاكم أمام التاريخ قبل أن تستأنف وقائعها بكل صفاقة!!