Atwasat

المقاومة والاستسلام في ثقافة الغرب وإسرائيل

صالح السنوسي الإثنين 03 يونيو 2024, 02:15 مساء
صالح السنوسي

منذ أن اعتمرت أوروبا خوذة الحرب وانطلقت في مغامرة استباحت خلالها أرض وثروات ودماء الآخرين وأعراضهم، لم تعترف للذين يقاومونها بصفة المقاومين؛ بل أسبلت عليهم دائماً نعوتاً من قبيل: متمردون، بدائيون، خارجون عن القانون فلاقه، إرهابيون، فأي رد فعل يصدر عن الآخر تجاه الفعل العسكري والسياسي الصادر عن الغرب يعتبره هذا الأخير عدواناً وإرهاباً بصرف النظر عن أسبابه ومبرراته.

فالمقاومة من جانب الآخر هو المصطلح الذي يرفض القاموس السياسي والعسكري الغربي أن يعترف به، فهذا الفعل من جانب الآخر يحيل إلى معانٍ محددة في هذا القاموس، كلها تفيد فقط لوصف كل ما هو سيء وسلبي وبشع، مثل متعجرف، متمرد، متعصب، دموي، بربري، إرهابي، وذلك باعتبار أن أي مقاومة لرموز الغرب السياسية والعسكرية يعد في نظر الغرب مقاومة للخير والعدل والحق والتسامح والتقدم والعقلانية والجمال، وهي قيم لا يعاديها إلا من يعاني من قصور في عقله بسبب جهله وعدم إدراكه وتعصبه الأعمى.

انطلاقاً من هذا المنطق فإن أي طرف يدخل في صراع مع حاملي هذه المباديء والقيم، وبصرف النظر عن الأسباب فلا يستحق هذا الطرف أية أوصاف أخرى غير هذه الأوصاف التي تعبر عن أفعاله المنحرفة عن سوية العقل الإنساني السليم، بيد أن القاموس السياسي والعسكري الغربي يحوي مصطلحاً واحداً فقط لتوصيف رد الفعل الوحيد الذي يقبل به الغرب من قبل الآخر تجاه أفعاله السياسية والعسكرية، وهذا التصرف أو رد الفعل هو الاستسلام.

فميزة القوة التي كانت إحدى العلامات الفارقة بين الغرب وشعوب الحضارات الأخرى، هي التي جعلته لا يقبل ولا يتصور تصرفاً آخر من قبل هؤلاء غير الاستسلام، فأساطيله ومدافعه وباروده وعلومه التطبيقية التي لم تجد أمامها ما يضاهيها لدى الشعوب المغزوة فتحت شهيته على احتلال بلدان هذه الشعوب واستحلال دمائها وثرواتها، فقد كان الاستعمار بفضل القوة العسكرية وآلاتها المتطورة مغامرة قد تنتج عنها بعض الخسائر ولكنها في النهاية مضمونة النتائج، فبفضل تلك القوة كان بإمكانهم أن يرتكبوا أبشع أنواع المذابح دون خشية من عقاب، فقد حاز الغرب آنذاك قوة من النار والتدمير غير مسبوقة في التاريخ إلى جانب ممارسته لجبروت يخرج عن الطاقة المعتادة لحدود التحمل البشرى عندما يبطش وينكل بمن يعتبرهم أعداءه.

هذا الأسلوب من البطش كان هو السمة المميزة لكل حروب الغرب الاستعمارية التي قام بها أو تلك التي قام بها من يدعون بنوته حضارياً، فعلى الرغم من مرور ما يقارب من قرنين على تعليمات المارشال «بيجو» لقواته في الجزائر العام 1846التي يطلب فيها تهديم القرى وقطع الأشجار المثمرة وحرق المحاصيل وإفراغ الصوامع من الحبوب والقبض على النساء والأطفال والمسنين لجعل هؤلاء الجبليين المتعجرفين يستسلمون «Alexis de Tocqueville : travail sur l, algerie: galimard 1991 Paris» ورغم مرور كل هذا الزمن؛ فإن التطابق بينها وبين سياسة الحرب الهمجية الإسرائيلية في القرن الواحد والعشرين لا يحتاج إلى دليل إثبات، فقتل الأطفال والنساء ومن هم في عمر الشباب ومحاصرة الباقين ومنع وصول الغذاء والماء والدواء إليهم وعدم السماح بإسعاف الجرحى وتدمير المستشفيات والمدارس والمنازل وحرق المزارع... كل هذا أملته - حسب المنطق الغربي الموروث- ضرورة أن يستسلم هؤلاء المتعجرفون.

ليس هذا التشابه والتطابق بين السلوك الغربي والإسرائيلي من قبيل الصدفة، فإسرائيل رغم أنها تبرر وجودها السياسي والاجتماعي على أساس ديني وأن اليهود ضحايا عنصرية الغرب؛ فإنها في حقيقة الأمر تعتبر نفسها ابنة حضارة الغرب بل إن الغرب الذي زرعها خدمة لاستراتيجيته في المنطقة، يعتبرها أيضا التجسيد الحقيقي لقيم ومباديء الغرب والواحة الوارفة وسط هجير صحراء العرب، فإسرائيل كما يراها «كارل ياسبرز» أحد فلاسفة الغرب المعاصرين «هي نتاج الغرب بتراثها ودينها وإذا سلمها الغرب سلم نفسه والقضاء على إسرائيل ليس قضاء على دولة ومليونين من البشر؛ بل قضاء على الروح الغربية والسياسة الغربية والأخلاق الغربية»

كما يظهر هذا التشابه في النظرة إلى فعل المقاومة وعدم القبول بأي تصرف آخر غير الاستسلام، فإسرائيل ترفض إيقاف الحرب إلا – كما تقول- بالقضاء على حماس أو استسلامها وهي في هذا الموقف الرافض مخلصة لإرث سياسي وعسكري وثقافي تليد تلقته من الغرب بل إن الغرب بجميع قواه الاستعمارية العريقة يصر مثل إسرائيل على ضرورة هزيمة المقاومة مهما كان اسمها ولا يقبل إلا بالحديث عن اليوم الثاني لهزيمة حماس ومن معها من فصائل مقاومة، فالغرب محكوم في لا وعيه بهذا الإرث المتحدر من مفهوم إرادة القوة النيتشوى الذي لا يقبل من الآخر غير الرضوخ لفعل القوة والاستسلام لها.

لا شك أن هذا التعنت الإسرائيلي وهذا التصلب الغربي يدعمهما موقف عربي مستسلم ومتخاذل في العلن وتحريضي في الخفاء على ضرورة القضاء على حماس ومن معها من فصائل إذا رغب الغرب وإسرائيل حقاً في نجاح الاتفاقات الإبراهيمية والتطبيع السلس.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»