Atwasat

من يصلح البلاطة الأولى؟

خالد العيساوي الإثنين 04 مارس 2024, 12:43 مساء
خالد العيساوي

إذا أراد بلد ما أن يجد لنفسه موطئ قدم بين البلدان المتقدمة المتحضرة فعليه أن ينتهج سياسة إيجاد الحلول المتنوعة للمشاكل المتوقعة التي لم تحدث بعد، وبالمقابل فإن البلد الذي يبحث عن حلول للمشاكل الواقعة قد حكم على نفسه بأن يبقى في ذيل الترتيب العام للأمم إن لم يجد نفسه خارج التصنيف أصلاً، وكلما ازدادت الأمم صعوداً نحو السماء، ازداد هو سقوطاً نحو الهاوية، فالبلدان التي تضع الدراسات الاستراتيجية والخطط المستقبلية تسابق الزمن فتسبقه، والبلدان التي تحاول ترقيع ما تمزق من ثوبها لا تلبث أن تتراكم عليها المشاكل، لترى نفسها عاجزة عن معالجتها غير قادرة على إصلاحها.

قبل عشر سنوات من الآن (وليس قبل عشرة أعوام) كنت أتردد على أحد المباني في إحدى الجامعات، وكان هذا المبنى حديث صيانة كاملة، كانت أمام المكتب الذي كنت أتردد إليه بلاطة واحدة مكسورة، ذهب جزء منها وبقي جزء آخر مترنحاً، يشعر الواقف عليها معه بشيء من التمايل وعدم الثبات، علاوة على أنها كانت نشازاً بين المجموعة المتناسقة، كنت أتحدث في كل زيارة إلى الموظفة متسائلاً: أما من سبيل لإصلاح هذه البلاطة المكسورة؟ ألا ينتبه أحد المسؤولين هنا إليها؟ أذكر أني قلت لها ذات يوم: لو أني أعرف من أين جاءوا بهذا النوع من البلاط لاشتريت واحدة وجئت بعامل وأصلحت هذه البلاطة على حسابي الخاص، لكن نوعها نادر في السوق، ولا يمكن تركيب بلاطة مخالفة.

سافرت دون أن يتم إصلاح البلاطة، وعدت لزيارة المكان ذاته بعد عشر سنوات بالتمام والكمال، ففوجئت بأن البلاطة على حالها لم يقم أحد بإصلاحها، ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد، فالبلاطة الأولى تبعتها الثانية، والثانية تبعتها الثالثة وهكذا، حتى عددت إحدى وخمسين بلاطة مكسورة، في منظر مشين، تتأذى منه العين، وتتألم منه النفس، ويعكس في وجدان المرء إحباطاً كبيراً، فهو إسقاط واضح لما يحدث في بلد لا يبحث أهله عن حلول استباقية، بل لم يعودوا يبحثون حتى عن حلول للمشكلات الواقعة، لتزداد أزماته يوماً بعد يوم، حتى اتسع خرقها على الراقع.

بهذه الطريقة يتم تسيير البلد للأسف، سد درنة على سبيل المثال، ظل بنيانه يتآكل شيئاً فشيئاً حتى حدثت الكارثة الكبرى، فبكينا وندبنا حظنا، وبكى العالم بأسره معنا، ثم ماذا فعلنا؟ بقينا نمارس الدور نفسه، وهو إهمال بقية السدود وهي تتآكل، وسنبكي للأسف مرة ومرات أخرى، لكن العالم هذه المرة لن يبكي معنا، ومياه زليطن الطافية فوق السطح، ماذا فعلنا معها؟ لا شيء سوى اجتماعات وهمية ولقاءات استعراضية، وستطفو مياه سوداء أخرى في مدن أخرى، وطريق الكفرة بنغازي، ماذا فعلنا له؟ لا شيء سوى النظر إليه وهو يحصد الضحايا تلو الضحايا من أهالي المنطقة كل عام ولا بواكي لهم، وستنهار طرق أخرى في مناطق أخرى.

وسيموت أناس آخرون، وإنا لله وإنا إليه راجعون، والمطبات المنتشرة في الطرقات والأحياء السكنية، ماذا فعلنا لها؟ لا شيء سوى أنها تتوالد يوماً بعد يوم، حتى صرنا بلد المليون مطب بدل بلد المليون حافظ للقرآن، والازدحام في الطرقات، هل أوجدنا له حلولاً ناجعة؟ لا، بل إنه لا يزال يتفاقم ويسرق من الناس أوقاتهم وراحتهم، حتى صارت قيادة السيارة في البلد وكأنها معركة مع الزمن، ومعركة مع المطبات والحفر، ومعركة مع المستخدمين السيئين للطرقات، وما أكثرهم، حتى إذا عاد المواطن إلى بيته واستلقى على أريكته شكر الله على عودته للبيت سالماً، وتمطط طولاً وعرضاً وكأنه خرج للتو من حلبة صراع عنيف، والدولار وما أدراك ما الدولار؟ ما زال هو الوحيد الذي يحافظ على ارتفاعه في بلد نزلت فيه قيمة كل شيء، والمشاكل كثيرة والأزمات متنوعة، والبلاط المكسور صار أكثر من البلاط الصالح للأسف، فوا حسرتاه، ووا ألماه.

ما زالت هناك مشكلة أكبر من هذا كله، وهي أن المواطن استمرأ المشاكل وتعايش معها، وصارت الحلول التلفيقية مرضية له، فإذا رصفوا له طريقاً قصيراً غرد فرحاً بهذا الإنجاز الخادع، وإذا توفر له الوقود في محطات البنزين خرج من هذه المحطة مبتهجاً وكأنه قد حاز من الدنيا ما حاز، وإذا نظر في حسابه البنكي ووجد أن مرتبه الشهري قد وصل شعر بنشوة تدب بين جلده وعظامه، فحبه للمرتب فاق حب عروة بن حزام لعفراء، أما إذا تحصل على قيمة نقدية من المصرف بين يديه فذلك يوم مشهود، وتلك لحظة تاريخية.

عندما يصير تفكير المواطن إلى هذا الدرك يعزف الفاسدون ألحانهم على هذا الوتر، فالمواطن المخدوع يسرق منه الألف ثم تعطى له المئة، فينسى الأولى ويتذكر الثانية، الدولار مثلا، يباع في السوق السوداء بأغلى من ثمنه الحقيقي أضعافاً كثيرة، فإذا خفضوا من سعره في هذه السوق السوداء قليلا فرح الناس وقالوا: الحمد لله نزل سعر الدولار، ناسين سعره الحقيقي الرسمي، وهكذا شأن بقية السلع، والمرتبات تزيد قيمتها الرقمية وتقل قدرتها الشرائية، فينظر المواطن إلى الرقم ولا ينظر إلى القدرة الشرائية، لقد نسي هذا المواطن المسكين، أنه في كل الحالات، أخذ منه الكثير في صمت، وأعطي له القليل في صخب.

الخلاصة أن البلد ينهار، وأن حبات عقده تتهاوى، وإن كان هناك من درس مستفاد فهو (أكلت يوم أكل الثور الأبيض)، وأن كل هذه البلاطات كسرت يوم كسرت البلاطة الأولى، وأنه من استعصى عليه إصلاح بلاطة واحدة صار الأمر أصعب عليه مع إحدى وخمسين بلاطة، فأوقفوا النزيف قبل ألا تستطيعوا إيقافه.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات