Atwasat

تشريح القنفذ ـ القذافي وأبناؤه (25)

عمر الكدي الإثنين 19 فبراير 2024, 05:37 مساء
عمر الكدي

كان القذافي يردد دائمًا أنه لم يُربِّ أبناءه. عاش بعيدًا عنهم في باب العزيزية وسط حراسه وحارساته، ولكن ثمة شهادات كثيرة تفيد بأن القذافي دائمًا كان يوصي أولاده بأن يجعلوا الليبيين يخافونهم، ويبدو أنهم لم يكونوا بحاجة للتوصية، كما أن نرجسية القذافي وحبه لذاته لم يتركا متسعًا ليحب أي شخص آخر، بما في ذلك أبناؤه، فكان يتصرف معهم مثل بيادق على رقعة الشطرنج يحركهم كما يشاء.

ابنه البكر محمد عاش مع والدته التي أحسنت تربيته، فكان دمثًا متواضعًا ولا يتصرف بعنف، ولكنه أدرك مبكرًا أنه لن يكون خليفة والده، ولهذا انصرف لجمع المال بهوس، فسيطر على البريد والاتصالات وتوكيل المشروبات الغازية، ودخل في خلافات عديدة مع إخوته وخاصة المعتصم، ولم يزر والده في باب العزيزية إلا مضطرًا ليشكو من إخوته، بينما كانت علاقته بزوجة أبيه صفية فركاش ودية.

سيف الإسلام تصرف منذ البداية على أنه الخليفة لوالده، وتدخل في كل الملفات التي تورط فيها والده مثل ملف لوكربي، وأسلحة الدمار الشامل ومذبحة سجن بوسليم، وقضية أطفال الإيدز في بنغازي، فقد أدرك أن هذه القضايا ستشكل عائقًا أمام طموحاته في تولي القيادة، بينما تصرف القذافي على أن يكون التوريث مطلبًا شعبيًا وليس مفروضًا من أعلى، ولهذا ترك لسيف الحرية في إنشاء مؤسسات ستبتلع مؤسسات والده، مثل مؤسسة الغد وصحفها وقنواتها، وجمعية حقوق الإنسان وغيرها، ونجح في استقطاب شخصيات عديدة من التيار الوطني ومن المعارضة الخارجية، وراهن عليه الإخوان المسلمون أيضًا، ولم يكن ينقصه شيء سوى أن يحال والده على التقاعد وأن يتحول إلى المرشد الأعلى للثورة، أو الأب القائد، وهو ما لا يحتمله شخص مثل القذافي، كما أن طموحات شقيقه المعتصم ظلت عقبة كأداء أمام مشروعه.

رعونة سيف وعدم إلمامه بعلم السياسة، فهو درس الهندسة المعمارية في جامعة الفاتح، ثم اكتشف أن العمل في السياسة يحتاج إلى دراسة الاقتصاد وإدارة الأعمال، فأمضى بعض الوقت بين لندن وفيينا، ولا أعتقد أنه نال شهادة حقيقية. ثمة من يرجح أن شكري غانم كتب له رسالة الدكتوراه عندما تعرف عليه في فيينا، وهي الرسالة التي أوصلت غانم إلى رئاسة الحكومة. لم يكن سيف في حاجة إلى استدعاء الحرس القديم والقطط السمان، وهو ما استغله المعتصم ليكون تكتلًا ضده مكونًا من القبيلة واللجان الثورية. المعتصم النزق والعنيف جعل القذافي يوازن بين خيارين، منذ أن شعر بخطر المعتصم على نفسه، وبالتأكيد ذكره بيوسف باشا وهو يقتل شقيقه الأكبر ثم يستبعد شقيقه الثاني لينفرد بالسلطة، وهو ما أجبره على حل كتيبة المعتصم التي رفض ضباطها الانصياع لأوامر القذافي، فغضب المعتصم وسافر إلى القاهرة، حيث منحه الرئيس مبارك رتبة عقيد أركان وعاد بعد تسعة أشهر ليعين أمينًا لمجلس الأمن الوطني، وهو منصب للترضية فلا وجود له في الواقع، ومع ذلك ابتز المعتصم رئيس الحكومة البغدادي المحمودي ليحصل منه على ميزانية ضخمة لمجلسه المزعوم، بالضبط مثلما يحدث اليوم بين زعماء المليشيات ورؤساء الحكومات.

كل المؤشرات تؤكد أن الحرب الأهلية ستندلع بين سيف والمعتصم إذا اختفى القذافي فجأة، وغالبًا سينتصر الطرف الذي ينحاز إليه خميس قائد اللواء المعزز 32. خميس هو العسكري الوحيد بين أولاد القذافي. منضبط وخلوق ويعيش وسط جنوده، ولم يتورط في قضايا فساد مالي وأخلاقي مثل إخوته، كما أنه خطب فتاة من قبيلته، وبعد تخرجه من الكلية العسكرية درس العلوم السياسية، وكل هذا يؤكد أنه يفكر في خلافة والده أيضًا، وبتكوينه هذا قد يكون حلًا وسطًا مقنعًا إذا اندلعت الحرب بين شقيقيه، أما الساعدي فقد استبعد مبكرًا من السباق، لأسباب أخلاقية وفساد مزمن، ولهذا توجه للرياضة ثم عاد وتفرغ لدعم الدعوة السلفية، أما هانيبال فقد استحوذ على الشركة الوطنية للنقل البحري باعتباره قبطانًا بحريًا، هذا التخصص الذي حوله إلى بحار فينيقي يتزوج من عارضة أزياء لبنانية، ويخوض البحر خلفها حتى يستدرج إلى معتقله في لبنان، وتسبب بنزقه وعنفه في أزمات دبلوماسية مع سويسرا ودول أخرى، كما تسبب الشقيق الأصغر سيف العرب في أزمات مع ألمانيا بسبب طيشه، وعندما زار توني بلير ليبيا للإعداد لتسليم البرنامج النووي الليبي، هدد سيف العرب بأنه سيغتال توني بلير، ولا أدري هل هي إحدى حركات والده أم أن الولد كان يعني ما يقول؟

عائشة هي الوحيدة التي كانت الأقرب لقلب والدها. تقول له يا بابا وليس مثل أشقائها يخاطبونه بـ«يا سيدي». لم يجد القذافي من هو ند لها ليزوجه عائشة، وأخيرًا وافق على ضابط من القبيلة وأقيم لها عرس أسطوري، ولكن هذا لم يمنعها من إدارة جمعية واعتصموا، كما سيطرت على الشركة الوطنية لاستيراد الذهب والمعادن الثمينة، وتحولت إلى أكبر تاجر للمعدن النفيس، ومنذ أن أبدت رغبتها في دراسة القانون في جامعة طرابلس، أمر والدها بألا يقبل ذكر واحد في الكلية التي ستدرس فيها عائشة، ثم بني سورًا أحاط الكلية من جميع الجهات قبل أن تحضر عائشة محاضرتها الأولى. وباختصار إذا كانت أزمة ليبيا في العهد الملكي أن الملك لم ينجب وليًا للعهد، فإن أزمتها في عهد القذافي أنه أنجب أكثر مما يجب، وأنه لم يتفرغ لتربيتهم مثل عبدالناصر فخرجوا مشوهين، فالقنافذ تلد القنافذ.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات