Atwasat

جارة الوادي

سالم العوكلي الثلاثاء 21 نوفمبر 2023, 02:01 مساء
سالم العوكلي

شفا ومْيامي ف امّ اهْدُوب.. اتقول اشْبُوب.. ابْغَرْبِي سايِق مزن يثُوْب.. ثقيل يعانِد فيه هَبُــوب.. انْجَرّ جرِير.. بلَرْكان وزاد اتْعِيهِيــر.. ندَف كَم عامِر جا مَذْبُوب.. وبات غَدِيْر.. الْخالِي بُوجْنشات ودَيْر.

شفا ومْيامي شعْل وسُود.. معَ جَرْعُود.. بوارِق في زاعِب ورْعُود.. سيُوله سَفَّن ما من هَوْد.. وبات نشِيْر.. عَذاه عَلَيْ رُوس مناقِيـر.
الشاعر مراد البرعصي

في زمن الجدب والقحط، وعندما كانت العيون مصوبة صوب السماء، لا ترى في السحب الداكنة حين تتجمع سوى ربيع أو رغيف خبز، كانت القريحة الشعبية تعبر عن جماليات العواصف المطرية وعما تحدثه السيول الهادرة من خراب، ومهما كان السيل عنيفاً وجباراً فما سوف يتركه خلفه حياة واحتفالا تشارك فيه كل الكائنات، وبحدسها القوي كانت الإبل تسري ليلاً حين ترى برقاً بعيداً فتحدد مكان هطول أمطاره بمجس حيوي كأنه جهاز (جي بي س) مدسوس في أدمغتها المرفوعة على قوائم طويلة، وحين تصل الإبل مكان البرق البعيد ستجد الربيع بِكراً، وكما يصف شاعرٌ مآل العاصفة سيفوح عطر تلك الأعشاب كالبخور في أفواهها.

صوب هذا الجمال الذي تقترحه الطبيعة، يمضي الشعراء منطلقين من إيحاء مفاتن حبيباتهم، وفي هذا المقطع من قصيدة الشاعر مراد البرعصي، ينطلق من وصف شفاه وعيون وأهداب الحبيبة عبر تشبيهها بالمطر الذي يسبق مزناً يثوب مثل الغبار السديمي، تجره الوديان وتفيض به كلما تمادى في الهطول «زاد تعيهير» بمعنى (ازداد فجوراً) حتى يحيل السهول الخالية إلى غدران، ويعيد الوصف مضيفاً بياض العنق الذي يشبه برقاً يلمع في قلب الغيوم والمطر الذي سيسف الوديان سفاً وينشر غثاءه فوق القمم.

وعادة ما ينطلق هذا الشجن في وصف السيول الجارفة من غزارة وطول شَعر الحبيبة الأسود الداكن، ولا عجب أن نجد في تراثنا الرقصات، التي تجلس فيها العذراوات على ركبهن (النخاخات) فتتحول شعورهن الطويلة المعطرة بزيت القرنفل إلى مراوح تدور، طقساً من طقوس صلوات الاستسقاء في أزمنة الجفاف في تلك المجتمعات الوثنية.

هكذا كانت ترسم الطبيعة الطليقة لوحاتها، وهكذا كانت قرائح البشر الفنية تمزج جمال الجسد الهائج بجمال الطبيعة الهائجة، والغنيمة دائماً هو الربيع والخصوبة والحياة المستمرة. لكن كيف سيتحول كل هذا الجمال في الذاكرة إلى كابوس حقيقي حين تجتاح السيول مدناً وقرىً ولا تترك خلفها سوى أكداسٍ من الركام والجثث؟ وكيف تتلوث علاقة الإنسان بالطبيعة في لحظة ما لا تشبه ما رسب في الذاكرة من جماليات الفيضان في أرضٍ قاحلة يقتلها العطش؟. فما الذي حدث؟

في مقالة سابقة «السكوت المتبادل» كتبت مشفقاً على الفن الذي بدأ التلوث المتفشي يقوض مصادر إلهامه: «التلوث الذي يطال الطبيعة الآن يطال مجازات الشعر العظيمة واستعاراته المتوارَثة، ما يشي بانقلاب في مصادر الإلهام، وتراجع ثيمات الجمال الأصيلة أمام جبروت التقنية العمياء وهوس الاستهلاك من دون حدود.

وأمام مغامرات اللعب الخطر بقوانين الطبيعة صار المطر أسودَ، وأسطوانات الموسيقى حاملة للفيروسات الفتاكة، وطرود هدايا الأعياد مفخخة، وطال التلوث شعرية الإرث الرومانسي والجمالي الذي حملته الطيور على مر الزمن، فاكتظ بصورها الشعر والأغاني واللوحات الفنية ككائنات ملهمة شفافة، معادل للحرية والجمال.

الطيور التي عبرها تبث لواعج العشاق، وترسل أشواقهم، تفقد كل هذا التراث الجمالي إذ تظهر للعالم إنفلونزا الطيور المهددة للبشر، فتغدو أسراب الطيور المهاجرة التي كم انتظرناها في الأماسي الحميمة كمصدر للإلهام، رُسلاً للموت المهاجر عبر أصقاع الأرض، مفضية إلى دلالات جديدة تجعلنا نعيد النظر في القصائد والأغاني الزاخرة بأسماء الطيور».

وما يصفه هذا الشعر المحتفل بالماء أمطاراً غزيرة كانت تقام من أجلها صلوات الاستسقاء، وتلك الأمطار هي من نحتت مساراتها ودروبها على مدى آلاف السنين، وكان الإنسان يعرف خارطة جريانها حين تغضب وينأى ما وسعه ذلك عن تلك المسارات لائذاً بالسفوح والقمم يقيم فيها مساكنه المتنقلة أو يأوي إلى كهوفها. لكن متغيرات كثيرة تسبب فيها الإنسان نفسه جعلت من تلك المشاهد الملهمة للفن كابوساً بكل معنى الكلمة:

كنت أشفق على هذه المخيلة الجامحة وأنا أرى بعد كارثة إعصار «دانيال» الشعراء وهم يَرْثون الخراب والضحايا بالآلاف بعد ردح من الزمان كانوا يتغزلون في الأمطار ويكيلون لقوة سيولها المديح فيما سميته يوما «جماليات الخراب في الشعر»، وهي القريحة التي لم تختبر إعصاراً بحجم إعصار دانيال الذي أزال من سفوح بعض الوديان أشجاراً يزيد عمرها عن ألف سنة، وعرّى سفوحاً صخرية كانت مغطاة بالتراب والخضرة منذ قرون، وأحال الصحراء جنوب الجبل إلى بحر تتلاطم أمواجه حتى الآن، فغرقت قرى قديمة بنى فيها سكانها النجوع ثم الأكواخ ثم البيوت الخرسانية، وجاوروا الوديان التي كانت تطربهم بهديرها كل شتاء سخي، لكن هذه المرة لم يكن الوادي ذلك الجار الحميمي المتعايش معهم.

وهذا كله يحال حسب الخبراء إلى ما يسمونه التغير المناخي الذي تسبب فيه البشر المهووسون بتكديس الثروات وملاحقة المال، والذين يكدسون الذهب في أرصدة احتياطياتهم بقدر ما يطلقون من ملايين الأطنان من الغازات المنبعثة صوب الفضاء تزيد من حرارة الأرض، وتزيد كل عام من الفيضانات التي تفتك بعشرات الألوف وتسبب خسائر بالمليارات، فتحولت العواصف المطرية من احتفال للشعر إلى مشهد ينذر بكارثة غير مسبوقة.

من جانب آخر حين يتدخل البشر بشكل محلي في حركة ومسارات هذه السيول التي نحتتها منذ آلاف السنين، ستحدث الكوارث آجلاً أو عاجلاً، خصوصاً حين يكون هذا التدخل عبر مشاريع تنجزها شركات أجنبية عابرة دون توطين للعلم في البيئة المحلية. فالعلم منذ أن بدأت فتوحاته كان هاجسه ترويض الطبيعة للإنسان المتبجح بذكائه الاستثنائي وسيطرته على الطبيعة وكائناتها، وإقامة هذه المشاريع تحتاج إلى دراسات علمية تأخذ في حسبانها أقصى التهديدات المحتملة، والأهم متابعتها دورياً، وإنشاء الإدارات التي تشرف عليها، ومراكز الاستشعار التي تتوقع الكوارث وتحاول على الأقل أن تنقذ حيوات البشر عبر الإخلاء إذا كان لا مناص من وقوع الكارثة وفق الدراسات العلمية وتنبؤ مراكز الاستشعار والأرصاد.

إقامة السدود على الوديان اعتراض فج لما فرضته الطبيعة، لكنه ممكن ونجح في أمكنة عديدة خططت لهذه المشاريع بإتقان وراقبتها يومياً، وفي أسوأ الأحوال حذّرت واتخذت إجراءات الإخلاء، خصوصاً وأن الأعاصير والفيضانات أصبحت متوقعة ويمكن التنبؤ بها ومراقبة مساراتها بعكس الزلازل أو انفجار البراكين مثلاً. ونخص هنا حين تقام سدود على وادٍ ضخم يمر بقلب مدينة آهلة بالسكان، وهذا الخطأ في التخطيط من البداية، ثم في غياب المؤسسات العلمية وإقصاء الكفاءات، وقصور مؤسسات التنبيه والتحذير من الكوارث المتوقعة والقادمة كله تسبب في الخسائر الفادحة التي تمخضت عنها كارثة مدينة درنة ومدن وقرى أخرى.

حاولتْ بعض الجهات الدفع بالناس القاطنين في أماكن منخفضة بالإخلاء حتى يمر الإعصار، لكن هذه الدعوة كانت بناء على معلومات خاطئة تحذر فقط من ارتفاع منسوب البحر، وهو أمر لم يتصوره أو يصدقه العقل الشعبي، خصوصاً أولئك الذين يسكنون في عمارات وفي طوابق عليا، لكن المراكز العلمية المختصة كانت صامتة، ولا أحد حذر بجدية من إمكانية فيضان الأودية بشكل غير مسبوق وانهيار السدود، خصوصا تلك الركامية أو الترابية الهشة التي تحمي مدينة مثل درنة وهم يعرفون أن هذا الإعصار دمر في طريقه الطويل إلينا في اليونان وتركيا جسوراً عمرها أكثر من قرن.

درنة هي بنت هذا الوادي الذي صنعها بما راكمه فيها من طمي على مدى آلاف السنين، وفوق ذاك الطمي الخصب صنع الدراونة جنتهم الصغيرة وحولوها إلى بستان زهور، فكانت قبلة لعشق كل الليبيين والشعراء الذين كتبوا أجمل القصائد في جمال واديها وفي (انسنادها) على أريكة الجبل وقدماها في البحر، لكن ماء الحياة الذي طالما تغنينا به توحش هذه المرة وجرف كل الجمال في درنة: جمال أهل الحاضرة وأناقتهم وبشاشتهم وروائح عطورهم الفخمة، وجمال المعالم التي أصبحت في خبر كان.

ما جرفه تسونامي الوادي هو روح درنة جارة الوادي على مدى قرون، لكن الأمل والتشبث بالحياة غريزة إنسانية لن تفتك بها الكوارث مهما توحشت وستنهض درنة جديدة دون ذكريات لكنها مترعة بأحلام المستقبل لأجيال ستصنع فيها ذكرياتها ومعالمها الجمالية. وهذا ديدن الحياة والوجود على مر التاريخ. مدن تُبنى فوق مدن، وأحياءٌ يمشون فوق رفات أجداد وآباء.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»