Atwasat

هوتو وتوتسي.. مأساة وعبر

نور الدين السيد الثلثي الإثنين 10 أبريل 2023, 11:10 صباحا
نور الدين السيد الثلثي

تكتسب الحروب الأهلية متى انطلقت زخماً ذاتياً من الصعب كبحه، وتجد من القوى خارج أطرافها المباشرين مَن له مصلحة في تأجيجها. توجد بينها قواسم مشتركة من قبيل تاريخ العلاقة بين أطرافها، والعصبية العنصرية أو القبلية أو الجهوية أو المذهبية، وأسبابها، ودور القوى الخارجية فيها. من الأسباب يبرز أيضاً الصراع على الحكم والموارد، والنزوع إلى إقصاء الآخر، وهي دوافع قد تظهر في مجتمعاتٍ لا تسودها مبادئ عيشٍ مشترك، ومواطنة تعلو فوق العصبيات الضيقة، وقانون يساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وسلطة قادرة على فرضه. الحروب الأهلية التي سبق أن ابتُليت بها مجتمعات في فتراتٍ من تاريخها جديرة بالنظر واستخلاص العِبَر منها. كثيراً ما تقفز إلى الأذهان من بينها الحرب الأهلية في رواندا بخسائرها البشرية الفادحة وانتهاكاتها الإنسانية الجسيمة.

طرفا الحرب الأهلية في رواندا كانا قبيلتين شريكتين في الوطن واللغة والمعتقد، هما قبيلة الهوتو التي تشكل غالبية السكان الذين يبلغ تعدادهم حوالي 12 مليون نسمة، وقبيلة التوتسي الأقلية ذات الأصول الإثيوبية. التوتسي مقاتلون أشدّاء امتهنوا الرعي، في حين عمل الهوتو في الزراعة. عاملت السلطة البلجيكية خلال استعمارها لرواندا بين سنتيْ 1916 و1962 سكانها من قبيلة التوتسي معاملة تفضيلية مقارنةً بقبيلة الهوتو، ما كان سبباً في تمرد الهوتو سنة 1959 الذي أدى إلى مقتل أكثر من عشرين ألفاً من التوتسي ولجوء الآلافِ منهم إلى دولٍ مجاورة. تولت الحكم بعد انسحاب بلجيكا قبيلة الهوتو، واستمر التوتر قائماً بينها وبين التوتسي في انتظار شرارة من حدث ما ليتحول إلى حرب أهلية عاتية.

جاء تفجيرٍ طائرة تقل الرئيس هابياريمانا الذي ينتمي إلى قبيلة الهوتو، في أبريل 1994، ليكون الشرارة لاندلاع الحرب الأهلية في رواندا. أُلقِـي باللوم في مقتل الرئيس هابياريمانا على قبيلة التوتسي، وانطلقت المذابح بتحريض من الحكومة في حملةٍ توصف بالإبادة الجماعية لقبيلة التوتسي. تلقى المشاركون في المذابح من الهوتو المكافآت من الحكومة، واستولوا على أراض يملكها التوتسي. من الجانب الآخر، انضم توتسي مسلحون إلى الحرب قادمين من الدول المجاورة.

انفلتت عمليات التصفية والانتقام من كل رادع قانوني أو ديني أو أخلاقي أو تدخلٍ دولي. وقعت مذابح استُعملت فيها الفؤوس، وتفجيرات طالت اللاجئين في الكنائس، وقتل فيها الجار جاره. انسحبت القوات الدولية بعد مقتل عدد من أفرادها، وتركت «المجموعة الدولية» الروانديين لمصيرهم. حتى التغطية الإعلامية العالمية كانت باهتةً لم ترْقَ أبداً إلى حجم المأساة الإنسانية الكبرى جرّاء تلك الحرب الأهلية المستعرة.

سيطرت على مقاليد البلاد «جبهة التحرير الرواندية» المؤلفة من التوتسي بشكل رئيسي، مدعومة من القوات الأوغندية، في يوليو من نفس العام، 1994. انتهت الحرب وقد قُـتِل ما يصل إلى مليون شخص في بعض التقديرات، وفر ما يُقدّر بمليونين من الهوتو هذه المرة إلى خارج البلاد؛ إلى الكونغو (زائير) بشكل أساسي حيث مات منهم الآلاف بمرض الكوليرا، وكانوا سبباً آخر في اضطرابات الكونغو وحربها الأهلية. مثُل أمام المحاكم في رواندا ما يقرب من مليونيْ شخص بتُهم المشاركة في أعمال إبادة جماعية، كما مثُل المتهمون بقيادة الحرب أمام محاكم تابعة للأمم المتحدة بجمورية تنزانيا.

بدأت مع انتهاء الحرب الأهلية في رواندا عملية مصالحة وطنية، وأُطلِق برنامج للتنمية الوطنية، وتحققت نجاحات تعد نموذجاً لإعادة البناء بعد الحروب وأعمال العنف. وتبقى أمام رواندا رغم ذلك تحديات معالجة الأسباب التاريخية للحرب والمضي في ترسيخ مفهوم مواطَـنةٍ لا تقصي أحداً ولا تصنف المواطنين في مراتب حسب العرق أو القبيلة أو الانتماء في أي اتجاهٍ كان.

الأمم في خطر متى ظهرت فيها عصبية قبلية أو جهوية أو مذهبية، وسلامتها تقتضي غرس مفهوم المواطَـنة وتنمية الانتماء لوطن جامعٍ يضم مواطنين متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات، في فرص التعليم والعلاج والعمل، وفي الموارد الوطنية الطبيعية. وتلك مسؤولية المجتمعات نفسها، دون تدخّلٍ أجنبي رغم ادعاءات النوايا الطيبة الحاضرة دائماً.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»