غادرنا الأيام القليلة الماضية الشاعر والمناضل والصحفي إدريس ابن الطيب عن عمر ناهز الواحد والسبعين عاما، بعد معاناة مع المرض وقد تقاعست الدولة عن نجدته في محنته الأخيرة، لكن أصدقائه لم يتخلوا عنه، غير أن الموت كان أسرع، وساعة الرحيل كانت قد دقت.
وبرحيله تخسر ليبيا أحد أبرز أعلامها في مجال الشعر والكتابة الصحفية من جيل السبعينيات، ذلك الجيل الذي وجد نفسه في مواجهة نظام تسلطي استبدادي لايطيق الكلمة الحرة، ولا الرأي المستقل، ولايقبل بغير الأتباع والمطبلين الانتهازيين، وقد تصاعدت خلال السبعينيات عمليات تضييق هامش حرية التعبير الذي كان متاحا في العهد الملكي حتى تمت مصادرته بالكامل تقريبا منذ أواخر السبعينيات، بعد أن سبقه سجن عدد من المثقفين والكتاب من غالبية التوجهات السياسية في منتصف ابريل 73 في ما عرف حينئذ بالثورة الثقافية، وفي ديسمبر 1978 تم سجن صحفيين وأدباء من كتاب صحيفة "الأسبوع الثقافي" كان من بينهم شاعرنا الراحل.
كاتب صحفي جرئ
تميزت كتابات إدريس ابن الطيب الصحفية بطابعها النقدي الجرئ، ومناقشتها قضايا اجتماعية وثقافية، وعرف بباب أسبوعي بعنوان " بكائيات" في صحيفة "الفجر الجديد"، وخاض معارك صحفية عبر هذه الصحيفة وصحيفة "الاسبوع الثقافي" خلال منتصف السبعينات، وكانت إحداها حول بعض ماورد في أحاديث الشيخ متولي شعراوي التي جاءت عبر برنامج تلفزيوني مصري اسمه "نور على نور" كان التلفزيون الليبي يعيد بثه في تلك الفترة، ومن المعارك الصحفية التي أثارت ردود أفعال من قبل البعض، كتاباته حول الشيخ الصوفي "عبدالسلام الأسمر".
في محاولة لنقد الطابع التقديسي والخرافي لهذه الشخصية لدى فئة من الجمهور، وأيضا نقده في مقالة أخرى لبعض أقوال الفقهاء ورجال الدين، والتي كان لها ردود وتعليقات صحفية غاضبة من قبل البعض. وبعد خروجه من السجن عام 88م ظل ابن الطيب محتفظا بطابع الكتابة الصحفية النقدية المشاغبة التي تضمر تحديا لواقع ثقافي وسياسي خانق، وفي هذه المرحلة نراه يخوض في القضايا السياسية ومايتعلق منها بالحرية والديموقراطية بصورة أكثر عمقا وجرأة، مستغلا مساحة هامش حرية التعبير المحدود الذي أتيح للكتاب عبر مجلة (لا) التي صدرت بتعليمات من القذافي وكان ابن الطيب أبرز كتابها، وكانت مقالاته هي الأكثر جرأة من بين جميع المقالات التي نشرت خلال العام الأول من صدورها أي عام 1991، حيث سافربعدها إلى إيطاليا ليعمل في السفارة الليبية في روما .
ولعل تكليفه بالعمل في هذه السفارة جاء من أجل التخلص من مشاغباته الصحفية التي لايطيقها النظام الذي لم يعد يرغب في إعادته ثانية إلى السجن بعد أن أطلق سراحه هو ورفاقه في مارس 88. كانت مقالات ابن الطيب في مجلة (لا ) تناقش قضايا فكرية وسياسية ظلت بعيدة عن تناول الصحافة الليبية سنوات طويلة بسبب قمع السلطة وفرضها خطابا أحاديا تم تعميمه في كافة وسائل الإعلام الرسمية التي لايوجد لها منافس منذ تم منع الصحافة الخاصة في عام 1972، إذ تطرقت مقالاته إلى مواضيع تتعلق بحق حرية التعبير، وسيادة القانون.
ونقد الخطاب الأحادي والدعوة إلى الحوار وتقبل الاختلاف الفكري ، ففي مقالة بعنوان " الاختلاف أوكسجين الحقيقة" يناقش ابن الطيب قضية الاختلاف في التراث الإسلامي ويصل إلى نتيجة مفادها : " إن الاختلاف في المناخ الديموقراطي هو إغناء للحقيقة وإثراء لها ولايمكن أن يشكل إلغاءً إلا بقدر ماتسيطر جذور الفكر الجبري الرجعي على آليات تفكيرنا، كما أن صاحب الأطروحة الصحيحة هو أكثر الناس استفادة من الاختلاف إذ به تسقط الأفكار الخاطئة تلقائيا عبر حركة التفاعل والصراع الفكري الذي يوفره هذا المبدأ" ويختتم ابن الطيب مقالته هذه بالدعوة إلى الحوار بعد أن ساد الفكر الأحادي في ليبيا خلال عقدي السبعينات والثمانينات: " إن الإنسانية لم تعرف في تاريخها بأكمله سلاحا أمضى من " الحوار" في تصفية الأفكار الخاطئة، إنه وحده السلاح الذي يخدم الحقيقة ويخلص لها، أما ماعداه من "الأسلحة " الأخرى فإنها أحيانا تقتلها في لحظة من العناق العنيف " (1)
في مقالة أخرى حملت عنوان " ألا تذكر ياأحمد إبراهيم؟ " نشرها في صحيفة "قورينا"، يوجه ابن الطيب خطابه إلى أحمد إبراهيم احد أبرز قيادات اللجان الثورية، واحد رموز السلطة المقربين من القذافي، والذي كان قد زعم في مؤتمر صحفي عقده في تلك الفترة أنه لم يستعمل العنف ضد أحد، فيرد عليه ابن الطيب ليذكره بالاعتداء الذي قاده احمد إبراهيم رفقة مصطفى الزايدي وعدد آخر من أعضاء اللجان الثورية، على الأدباء والكتاب في 26 ديسمبر 1978بمدرسة شهداء يناير ببنغازي حيث كانوا يعقدون ندوة ثقافية حول الشاعرالراحل علي الرقيعي ، فإذا بأحمد إبراهيم وجماعته يقتحمون المكان بمسدساتهم ويتهجمون على الأدباء المشاركين في الندوة بالسب والشتائم والضرب ويعتقلون 16 كاتبا وأديبا وصحفيا، ماأدى إلى سجنهم عشر سنوات بعد أن لفق لهم احمد إبراهيم ورفاقه من اللجان الثورية تهمة إنشاء تنظيم يساري محظور.
عاشق الجمال والحرية
ينتمي ابن الطيب شعريا إلى ماعرف بجيل السبعينيات على مستوى الثقافة العربية، وهو الجيل الذي رأى سقوط الأوهام الثورية والقومية مع هزيمة 67 ،فجاء ليعبرعن سخطه ورفضه للأوضاع المتردية التي قادت إليها أنظمة الاستبداد بلدانها وتسببت في هزيمة نكراء أمام اسرائيل، فكان التنديد بأنظمة القمع والانحياز إلى الحرية كما في قصائد شعراء ذلك الجيل في أكثر من قطر عربي، وعلى المستوى الجمالي والفني كان هناك السعي في البحث عن صياغات جديدة وشكل مغاير للقصيدة يعكس حالة الرفض والثورة على الواقع.
هذا على مستوى الوطن العربي أما على المستوى الليبي فقد وجد أدباء جيل السبعينيات أنهم أمام سلطة تعيد بث الأوهام القومية والثورية التي انكشفت وتعرت مع هزيمة 67، وكانت إحدى غايات الأديب الليبي، خاصة أبناء ذلك الجيل، البحث عن استقلاليته، وصوته الخاص في مواجهة سلطة تريد من الجميع أن يكونوا مرددين للخطاب الرسمي في مرحلة غياب كامل لوسائل نشر مستقلة عن السلطة، ولخص هذا الأمر الشاعر محمد الفقيه صالح حين قال " من المتعذر تأسيس منابر ثقافية خارج المؤسسة الرسمية، نظرا إلى أن نظام سبتمبر اتجه منذ سنواته الأولى إلى تأميم المجال العام في مختلف تجلياته، ومن ضمنها الثقافي والصحافي"(2).
في هذا المناخ الذي كان يتزايد فيه التضييق على الحريات وكتم الأنفاس حتى بلغ أوجه بالنسبة للشاعر دخوله إلى السجن رفقة زملائه وبقائهم عشر سنوات خلف القضبان، جاءت قصائد إدريس ابن الطيب في دواوينه الأولى لتعكس تجربة الألم في مواجهة السجن والسجان، فكان هاجس التمرد ومقاومة العسف والتطلع إلى الحرية والحياة الكريمة التي يسودها العدل والديموقراطية، فكان الشاعر يلجأ إلى القصيدة كي يقاوم الاختناق والموت ، وكأن الشعر صار " كوة للتنفس" وهو عنوان أحد دواوينه وقد صدر عام 1997، وكان أول ديوان قد صدر له قبل السجن عام 1976" تخطيطات على رأس شاعر" ثم "العناق على مرمى الدم" 1990،و" ملك متعب" 2000،و"عناد الذخيرة"، 2003،و"مرافعة السيوف " 2009.
وقد شهدت التجربة الشعرية لابن الطيب تطورا على صعيدي الشكل والدلالة، ففي بدايات تجربته الشعرية كتب ابن الطيب، القصيدة التقليدية الملتزمة بالوزن والقافية وعبر عن همام وجدانية وذاتية، ثم انتقل في مرحلة لاحقة نتيجة تفاعله مع الواقع الوطني والقومي إلى قصيدة التفعيلة ومعانقة قضايا النضال والحرية،وطنيا وقوميا وعالميا، دون أن يتخلى عن التغني بالجمال والحب والسلام.
وترصد دكتورة أمينة هدريز هذه التحولات في دراسة مهمة لها كما تجلت في ديوانيه " العناق على مرمى الدم" و" كوة للتنفس" وتقول : (لم تكفّ قصائد الشاعر إدريس ابن الطيب يوما عن محاورة الواقع ومساءلته ، وعن حوار الذات ومساءلتها ، قصائد تماهت فيها الذات الفردية بالذات الجماعية في حوار أرّقه وأشقاه حّد الوجع ، قصائد أعلنت فيها أحلامه عصيانها للواقع وتمردها عليه ، فقد عاصاه الحلم وتمرد على انكساراته فجاءت قصائده مليئة بشهوة القبض على الحلم والحب والفرح ، قصائد تكشف عن وجهها الطفولي الحالم بعالم تمتد فيه القامة الإنسانية فوق بطاح التهميش والاستلاب (3)
رغم المحن التي مر بها من سجن واعتلال صحي، ورغم التزامات الوظيفة وارتباكات الحياة اليومية في ليبيا، ظل إدريس ابن الطيب وفيا للشعر، وكان آخر نشاطاته أمسيتين شعريتين الأولى في المركز الثقافي البيضاء يوليو 2020، والثانية والأخيرة كانت في طرابلس مايو 2022 باستضافة من الجمعية الليبية للآداب والفنون.
رحم الله الشاعر والصحفي والمناضل إدريس ابن الطيب ، سيظل في ذاكرة الحياة الثقافية اسما مضيئا ورمزا ثقافيا ونضاليا تفخر به ليبيا وتعتز.
--------
1-إدريس ابن الطيب "الاختلاف اوكسجين الحقيقة" مجلة (لا) العدد السادس السنة الأولى 1991ص 26
2-ادريس ابن الطيب ( ألا تذكر يااحمد إبراهيم؟) صحيفة قورينا، 1 فبراير2009
3-د أمينة هدريز ( تحولات الرؤيا في شعر إدريس بن الطيب) ، موقع بلد الطيوب الالكتروني، 1اكتوبر 2011
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات