رجعت إلى ليبيا بعد انقطاع دام لسنوات. يومان قبيل ليلة عيد الميلاد نهاية القرن في 24 ديسمبر عام 1999 في زيارة تعمدّتها قصيرة طالت أشهراً دون أن أفلح في تسوية أمور منحة إيفادي الموقوقة. كان الحصار الجوي عقوبة توّرط النظام الليبي السابق في حادث طيران لوكربي الإرهابي، قد رُفع للتوّ، وكانت شركة خطوط اللوفتهانزا الألمانية سباقة،ف طيّرتنا في رحلة ليلية بعد الواحدة صباحاً من مطار فرانكفورت، كنا بعض الليبيين وبقية الرُكاب كوريين جنوبيين.
بعد عشرة أيام من وصولي دعاني الكاتب إبراهيم حميدان الذي كان وقتها أمينا مساعداً لاتحاد كتاب ليبيا لحفل عيد الفطر في مقرّ الرابطة فالتقيت هناك الكاتب أمين مازن وقد تأبط كتابه "مسارب" سيرته الذاتية فأهدانيه. كان الكتاب قد أثار جدلاً بين أوساط مجايليه، منهم الكاتب كامل عراب الذي كتب فيه مقالة في إحدى الصحف بعنوان: "مسارب تؤدي إلى متاهة".
لقد أدركت طبوغرافيا متاهة فزّان وشخصانيتها مذ كنت طفلاً عبر ماكان يسرده لي أبي الذي أعانه في البدء عمي، ثم ترّحل بعدها لسنوات وحيداً بشاحنته صوب الجنوب الليبي حيث منابع النفط. اليوم فزان تقفز بها القوّة النزاعية في الشرق الليبي إلى عمق المتاهة من جديد! بالزحف العسكري العشوائي الذي يسعى إليه من يريد أن يعطي إشارة للقوى الدولية بأنه يسيطر على منابع النفط الليبي في فزان. إذ ينسرب في المتاهة الفزانية قائد مُسمّى الجيش في الشرق الليبي المغامر الأبدي لفرض طباعه المنافية للديمقراطية والترتيبات الدولية المشترطة من القوي الغربية النافذة في القضية الليبية؛ والموروثة من قبله عن الحقبة العسكرتيرية التي تبوأت السلطة بما سُميّ بتنظيم الضباط الوحديين الأحرار الذي ينتمي إليه في الفاتح من سبتمبر عام 1969 حتى إسقاط النظام الدكتاتوري وفوضويته الأوتوقراطية بالثورة الشعبية المدعومة بالنفوذ الدولي الغربي عام 2011.
البرلمان المعطّل نفسه عن عمله، والقابع كمبنى بدون بشر في طبرق بأقصى الشرق الليبي المتاخم للحدود المصرية مهّد لغزوة مسمى الجيش الليبي العشوائية عسفاً بإتباع واحات الجفرة الحضرية سوكنة وهون وودان لإقليم فزان، وهو ما لا يستسيغه سكنة هذه الحواضر التي تبعت في معاشها وسلوكاتها الحضرية دائما لطرابلس التي عرّفتها الأدبيات الثقافية بالحاضرة منذ العهد القرمانللي حتى انقلاب العسكر على الملكية عام 1969.
قرار اللجنة الشعبية العامة (الحكومة الليبية) لسنة 1977 الذي كان وراءه رأس النظام الدكتاتوري المُسقط عام 2011 بشأن إنشاء مركز بحوث ودراسات الجهاد الليبي حدّد مدينة طرابلس مقراً له وأتبعه لجامعتها المسماة بالفاتح وأكّد على أن يشكل مجلس إدارته من مدير عام المركز رئيسا ووكيل المركز نائباً للرئيس. لكن ما كنا نعرفه أن المركز يتبع في الصرف عليه القوات المُسلحة التي كان يترأسها عضو مجلس قيادة الثورة من قبيلة المجابرة التي يمتد وجودها جنوب أجدابيا في واحات جالو وأوجلة وحتى تخوم الكفرة التي تهيمن عليها قبيلة ازوية. أما مدير المركز حتى اليوم، أستاذ التاريخ في جامعة طرابلس، فهو ينتمي إلى فزازنة آقار الشاطئ ووالده عضو مجلس الشيوخ في الحقبة الملكية. أما نائب المدير الذي أقصته ثورة 17 فبراير 2011 عن وظيفته، فهو ينتمي إلى قبيلة الحساونة بالقُرضة بشاطي فزان. وهو الأمر الذي يخصّ مقالنا لإصداره كتاباً من منشورات مركز الجهاد الليبي عام 1994 بعنوان وثائق دولة أولاد محمد بفزان ج1. هذه الوثائق المحدودة الأهمية تاريخياً تستخدم من قبل باحث ليبي ترجع أصوله إلى واحة ودّان ونشأ وتعلّم في مدينة سبها بحكم عمل والده في بوليس الولاية. فإذا ترجمنا حرفيا الكلمة الأولى في عنوان كتابه الصادر عن جامعة ولاية نيويورك عام 1994 بعنوان " The Making of Modern Libya: State Formation, Colonialization and Resistance“ باصطناع، نكون قرّبنا موضوعة أطروحته باصطناعه للمكونات الإقليمية الثلاثة لليبيا طرابلس وبرقة وفزان.
بل يخص في كتابه "الأصوات المهمشة" وثائق دولة أولاد محمد بقراءة يذهب فيها إلى أن تكوينة السلطة العائلية لأولاد محمد هي دولة تشابه سلطتها نفوذ السلطة ـ الدعوة الإصلاحية باسم العائلة السنوسية في برقة، وتضاهي الدولة القرمانلية. وهي الدولة التي حكمتها الخصائص الغنائمية Patrimonialism ، دون غيرها من مكونات السلطة المتوّزعة في الإقليمين الليبيين الشرقي والجنوبي حتى الغزو الإيطالي عام 1911.
دولة أولاد امحمد والجغرافيا الحاكمة عنوان، المُدعى الموهوم بالرومنطقيات الشعرية الذي أبرزته مقالة وزير الخارجية الليبي السابق في العهد الدكتاتوري الذي ترجع أصوله إلى منطقة أوباري بفزان، والذي انشق عن نظامه مندوبا في الأمم المتحدة إبّان الثورة الشعبية 2011 بأن كتب في صحيفة الشرق الأوسط السعودية مستدعياً للحاضر الحي عما أسماه مبالغة بـ "دولة أولاد إمحمد"وهي تكوينة سلطة عائلية شبه غنائمية ميّتة أنشأتها على هامشها تجارة القوافل بين ليبيا والسودان الغربي.
أظهر المقال دون وعي كاتبه ما أكّده التاريخ دائما بعجز إقليم فزان تاريخياً بحكم جغرافيته وإناسته عن توليد النموذج المحلي للسلطة، وهو ما يصيّره مجدداً ليس فقط مجالاً للمغامرة الاستثنائية الدخيلة عليه من شرق ليبيا والمذكرة للفزازنة بشخصية خليفة الزاوي. بل وسيلة رّد فعل سياسي من الغرب الليبي الذي يحكمه توخي المشروعيات المتطلبة دولياً، بأن طلبت من مجلس الأمن الذي ليبيا مازلت تحت بنده السابع بإدانة تدخل ميليشيات الشرق الليبي في حقل الشرارة النفطي، ثم مُراعاة للخصوصيات الاجتماعية والعرقية أوكلت مهمة المحافظة على النظام لأحد قادة الجيش الليبي المُفكّك منذ منتصف ثمانينات القرن الـ 20 بهزيمة تشاد ومقولة الشعب المسلح وهو الجيش المنحل الذي مازال ينتمي إليه قائد مُسمّى الجيش في الشرق الليبي.
كما أن القائد العسكري الفزاني ينتمي عرقيا إلى إثنية الطوارق التي كانت داعماً للسلالة العائلية المعروفة في فزان القرن الـ 18 ـ 19 تجاوزاً بدولة أولاد محمد. كل ذلك يُظهر أن من هو على رأس السلطة في حكومة التوافق له دراية بتاريخ نفوذ السلطة في إقليم طرابلس الغرب يرجع في ليبيته إلى الحقبة القرمانلية كدولة حكمتها الخصائص الغنائمية Patrimonialism ، بالإسم الذي سكّه عالم الاجتماع ماكس فيبر Max Weber دون غيرها من مكونات السلطة في الإقليمين الليبيين الشرقي والجنوبي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات