تقرير: الرئاسي يراوح مكانه ومعاناة الليبيين تتفاقم بعد مرور 8 أسابيع

بعد مرور ثمانية أسابيع على عملية الإبرار البحري التي حطت بالمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، بقيادة فائز السراج في قاعدة طرابلس البحرية، ما تزال معاناة السواد الأعظم من الليبيين الذين بدأت تساورهم الشكوك بعد أن تبددت معظم آمالهم بغد أفضل.

فالأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة تعصف ببلد يملك أكبر احتياطي للنفط والغاز في أفريقيا، وأطول شاطئ على البحر المتوسط، وأنتجت الأزمة أوضاعًا أمنية متردية، ومصارف مفلسة وانقطاعات للكهرباء تمتد إلى ساعات طوال، فضلاً عن تعقيدات المشهد السياسي المتأزم أصلاً، بسبب الصراع على السلطة والمال الذي جعل البلاد تقف على حافة التشظي أكثر من أي وقت مضى.

الرئاسي لم يحرز تقدم
متابعون للشأن الليبي يقولون إن المجلس الرئاسي لم يحرز أي تقدم في حلحلة الملفات التي تمس المعيشة اليومية للمواطنين بعد شهرين من دخوله إلى العاصمة الليبية، ومنها مواجهة لهيب الأسعار وانعدام السيولة وانقطاع الكهرباء والانفلات الأمني وارتفاع وتيرة جرائم السطو المسلح والخطف مقابل الفدية، والتغييب القسري واستمرار غلق أحد أهم شرايين المواصلات للتواصل بين العاصمة والمدن والقرى بالمنطقة الغربية والحدود مع تونس على مستوى منطقتي الماية وجودايم، على أيدي ميليشيات مسلحة وخارجين عن القانون وعصابات إجرامية، فضلاً عن غلق كثير الطرق الرئيسية الأخرى.

شعبية المجلس الرئاسي تراجعت كثيرًا بين سكان العاصمة الذين يرون السراج يقفز من طائرة إلى أخرى

وهي جميعًا ملفات لا يمكن القفز عليها؛ لأن أية مقاربة سياسية لن تعني أي شيء دون معالجة هذه المختنقات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية للمواطنين.

المواطن رمضان مخلوف الغرياني (52 عامًا أب لأسرة من 6 أشخاص - فني بأحد مختبرات التحاليل الطبية) يقول إن «شعبية المجلس الرئاسي تراجعت كثيرًا بين سكان العاصمة، الذين يرون فائز السراج يقفز من طائرة إلى أخرى، فيما يتواصل لهيب الأسعار وانعدام السيولة في المصارف، بل وسقوط ضحايا على أعتاب هذه المصارف المنهوبة دون أن يحرك لا هو ولا أعضاء المجلس ساكنًا سوى وعود يطلقونها على الفضائيات وتصريحات فيسبوكية، فيما بقي الحديث عن لجنة الترتيبات الأمنية لتأمين العاصمة حبرًا على ورق».

وأضاف أن معاناة الليبيين اليومية والارتفاع غير المسبوق في عمليات القتل والخطف مقابل الفدية والحرابة يبدو أنها ليست من أولويات المجلس الرئاسي الذي انصرف، بحسب قوله إلى «الركض بين عواصم أوروبية وعربية جميعها متورطة في الشأن الداخلي الليبي، وتعمل على حماية مصالحها على حساب دماء الليبيين ومعاناتهم».

ويرى الأستاذ الجامعي عمران أبوالقاسم أن المجلس الرئاسي انصرف طيلة الأسابيع الماضية إلى معالجة المشاكل السياسية والإجرائية والإدارية المعقدة مع مجلس النواب، وأهمل إلى حد كبير الوضع الاجتماعي المتردي للمواطنين، وظل يحاصر نفسه في قاعدة طرابلس البحرية فيما ذهب آخرون إلى الاعتقاد بأنه محاصر من قبل تشكيلات مسلحة معينة.

مخاوف من سطوة الميليشيات
وأكد الأستاذ الجامعي أن ما وصفه بـ«تملق رئيس لجنة الترتيبات الأمنية المشكلة من المجلس الرئاسي، العميد عبدالرحمن الطويل للميليشيات المسلحة في تصريحات صحفية، عمّق مخاوف المواطنين من استمرار سطوة هذه الميليشيات على المشهد الأمني والسياسي في طرابلس».

بعض الكتائب والتشكيلات أتت من خارج العاصمة طرابلس وهذه الكتائب غير مسيطر عليها

وكان الطويل قال في تصريح نشرته وكالة (أكي) الإيطالية الجمعة الماضي «بالنسبة للكتائب والتشكيلات المنتشرة في العاصمة بعضها منسّب للجيش والأغلبية منسّبة للشرطة، ومنها المنضبطة فعليًا وتعمل بجدية وتقوم بأعمال ممتازة جدًّا في القضاء على الجريمة والممنوعات والمخدرات والدواعش»، قبل أن يستدرك قائلاً إن «بعض الكتائب والتشكيلات أتت من خارج العاصمة طرابلس وهذه الكتائب غير مسيطر عليها، ويفترض أن يكون لهذه الكتائب دور في التأمين خاصة في الطوق الخارجي للعاصمة»، مما يعني برأي المراقبين الاعتراف باستمرار وجود أجسام مسلحة خارج سلطة القانون، وبالتالي خارج سلطة المجلس الرئاسي.

في هذا السياق استهجن عاشور المرغني (46 عامًا يعمل بإحدى شركات التأمين الصحي الخاصة في طرابلس) العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على بعض المسؤولين في المشهد الليبي، من بينهم رئيس البرلمان عقيلة صالح، وقال إن صدور تلك العقوبات عمّق الشعور لدى كثير من الليبيين بأن الغرب عمومًا ليس جادًا في البحث عن حلول للأزمة الليبية، بل يصطف مع طيف معين في النزاع الليبي، لأنه يدرك قبل أي أحد آخر أن الذين استهدفهم بالعقوبات لا يملكون أية قوة على الأرض وليس لديهم أي تأثير على مجريات الأزمة الليبية.

وقال المرغني «كيف يمكن لليبيين أن يقبلوا بفرض عقوبات على هؤلاء الذين لا حول لهم ولا قوة، في حين يرون دول الاتحاد الأوروبي وأميركا تتعامل مع المسؤولين مباشرة عن سفك دماء الليبيين وتدمير البنى التحتية وحرق المطار ونهب المال العام، والتحريض العلني على الفتنة والقتل، بل وتفرش للبعض منهم البساط الأحمر وتدفع بهم في واجهة المشهد الجديد لحكومة الوفاق».

استمرار الأزمات المعيشية
من جانبه قال أحمد المليان (55 عامًا صاحب حظيرة تربية دواجن)، إن أزمة انقطاع الكهرباء تفاقمت منذ وصول المجلس الرئاسي، بعد أن شهدت حوالي أسبوعين من الاستقرار، مؤكدًا أن فرضية وجود عمليات تخريب متعمدة غير مستبعدة.

وأشار إلى ارتفاع سعر لحم الدجاج، الذي يتناوله السواد الأعظم من الليبيين، إذ تخطى عتبة سبعة دنانير لأول مرة في ليبيا، بسبب الانقطاعات المستمرة للكهرباء ضمن عوامل أخرى. واستهجن المليان صمت المسؤولين في المجلس الرئاسي أمام بيان الشركة العامة للكهرباء التي أرجعت أسباب الانقطاعات المتكررة والطويلة إلى ارتفاع درجات الحرارة في استهتار بمشاعر الليبيين، بحسب قوله.

وكانت الشركة العامة للكهرباء أرجعت انقطاع التيار الكهربائي في كثير المناطق إلى ارتفاع درجات الحرارة، والاستعمال الخاطئ لأجهزة التكييف في المنازل والمقار الحكومية والجهات العامة. وقالت الشركة في تقرير نشرته على صفحتها بموقع «فيسبوك» الأسبوع الماضي: «إن ارتفاع الحرارة يسهم في تفوق الأحمال على المنتج المتاح من المحطات».

أزمة انقطاع الكهرباء تفاقمت منذ وصول المجلس الرئاسي بعد أن شهدت حوالي أسبوعين من الاستقرار

وعلق المليان قائلاً: كيف يقف المجلس الرئاسي مكتوف الأيدي أمام ما وصفه بـ«الكذب الصارخ» لشركة الكهرباء، والإبقاء على مسؤوليها في مواقعهم، مؤكدًا أن الشركة نفسها أرجعت «أسباب الانقطاعات شتاءً إلى استخدام وسائل التدفئة، وهي اليوم تلقي باللوم على المكيفات، وتعداد الليبيين لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة وكافة المصانع التي كانت تدور في البلاد معطلة أو مدمرة منذ 2011».

ويعتقد كثير من الليبيين والمراقبين للشأن الليبي أن دعم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمجلس الرئاسي الذي ولد ببنية هشة بعد انسحاب اثنين من أعضائه، لن يكون كافيًا لهذا الجسم الجديد في خارطة النزاع الليبي لبسط نفوذه على كامل تراب البلاد، ما لم يتم التعامل بجدية مع مطالب ومخاوف الطرف الأساسي الآخر وهو البرلمان، وهي مطالب يمكن أن تناقش في إطار الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات، الذي لا يُعتبر نصًا مقدسًا من السماء ولا يمكن أن يكون أكبر من وحدة ليبيا وسلامة أراضيها ولا أغلى من دماء الليبيين.
نقلاً عن جريدة «الوسط». العدد السابع والعشرون اضغط هنا (ملف بصيغة PDF)