Atwasat

شكولاطة ورد المفخخة

محمد عقيلة العمامي الثلاثاء 26 يناير 2016, 09:44 صباحا
محمد عقيلة العمامي

لعلكم تتفقون معي أن الليبيين الذين لم تقضِ عليهم القنابل العشوائية يتذكرون "شوكولاطة ورد" لأنها كانت الشكولاتة الوحيدة المتوفرة بالسوق الليبي طوال 15 سنة، منذ تأسيس مصنعها حتى إغلاقه في مطلع تسعينيات القرن الماضي.

لقد منع النظام آنذاك استيراد الشوكولاطه مقترحا استبدالها بالتمر، ولكنه بعدما عجز عن إقناع الأطفال بلذة وفوائد التمر الصعيدي،لأن فسائل الدقلة لم تكن حتى ذلك التاريخ قد هُربت من تونس، قرر في ثمانينيات القرن الماضي تشييد مصنع للشكولاتة وسُمي أفضل أنواعها "ورد"، وللغرابة الشديدة، أحبها الأطفال وكذلك الكبار لجودتها ورخص سعرها وبالطبع لأنه لم يكن هناك غيرها في السوق.

وعلى الرغم من الإقبال عليها، لم يحقق المصنع حتى تكاليف إنتاجه فأُقفل وخُردت آلياته وسُرقت قطع غياره ولم يبق بمخازنه سوى الأكياس الفارغة، ومواد التغليف الملونة وأكياس الكاكاو الخام التي باعها الخفير التشادي الذي لحس عقله الحنين إلى "هبيبته"، التي ظل يؤكد لها بالرسائل التي يبعثها مع رفاقه أنهم وعدوه بأنه سيستلم مرتباته كلها في شهر "النوار"، ولكنه ظل بعد النوار سبعة أشهر كاملة من دون أن يستلم حتى سلفة ليشتري بها خبز وشاهي و"شُكر"، وأظرفا لرسائله التي كان يكتبها بالفرنسية متعمدا أن يراها المدير الذي لا يعرف القراءة حتى بالعربية، ولكن بعدما حلفت له "مهبوبته" برأس أمها أنها ستتزوج من ابن عمه الذي صار له حُوار من حقوقه في رعي إبل متصرف أنجامينا إن لم يعد لتشاد خلال شهر على الأكثر.

استولى على أكياس الكاكاو الخام التي كان بقية عمال المشروع يحومون حولها وباعها لرئيس نقطة صحراوية "واصل". مشترطا أن يعطيه مستحقاته كاملة وكان قد حسبها بدقة، فكانت 2300 دينار بالساعات الإضافية وانتهى الأمر بموافقته على استلام 600 دولار في نقطة الكفرة الجنوبية.

فشل مصنع الشكولاتة ليس بسبب الخفير التشادي ولا بسبب رداءة السلعة ولا بسبب الجرذان ولا بسبب اللصوص، الذين رفعوا عمولاتهم على المواد الخام بنسبة 50%!. ليس بسبب ذلك كله ولكن وكما يقول المقتنعون بأن الرأسمالية هي النظام الاقتصادي الحقيقي، وأن انهيار المصنع بسبب النظام الاشتراكي ومصائب نظام الملكية العامة، ولنتأكد من ذلك دعونا نعرف حكاية الشكولاتة التي عرفها الناس من قبل "شكولاطة ورد" بحوالي 500 سنة.

التفخيخ يتم بالألغام المستوردة من تركيا والبحرين والسودان وهي المصنوعة في آسيا وتقوم بها عناصر ليبية في مصنع الشكولاطة

شجرة "كاكاو الآلهة" التي يصل طولها حتى 18 مترا ألوانها كألوان الألعاب النارية في سماء صيفية صافية، مبهجة كعقود الأعراس، من براعمها تُصنع الشكولاتة، التي يعشقها الصغار والكبار وتعد لحلاوة مذاقها ونعومته رسائل عشق ما بين المحبين.

سنة 1519 عاد "هرناندو كورتيس" أحد مكتشفي المكسيك إلى أسبانيا بأول وصفة لصناعة الشكولاتة في أوروبا. لقد انتبه السيد "هرناندو" إلى أن مونتيزوما الثاني أو مثلما يسميه أهله من الهنود الحمر، وهم أصحاب حضارة مبكرة من حضارات أمريكا الوسطى: "موتيكوسوما شوكويوتسن" ولعلكم انتبهتم للعلاقة اللفظية ما بين الشكولاتة ونهاية إسم هذا الزعيم وهي "شوكويوتسن" يقال أنه كان يشرب يوميا خمسين كأسا من سائل اسمه"شوكولاتل"، أما حين ينوي المبيت في جناح حريمه فقد كان يشرب منها "سطلا" ظنا منه، أو كما نصحه السحرة مؤكدين فاعلية "الشكولاتل" في مسألة المقويات الجنسية، والحقيقة أن خبراء التغذية في العصر الحديث أيدوا رأي السيد شوكويوتسن بسبب الطاقة الهائلة التي تمدها قطعة شوكولاتة تزن 50 جراما للجسم البشري، ولكنهم لم يذكروا شيئا عن القوة الجنسية.

حاولت أسبانيا أن تخفي سر صناعة حبوب الكاكاو هذه، خصوصا بعدما أصبحت شرابا مستساغا بإضافة السكر إليه، فذاعت شهرته، ولكن إيطالياً من فلورنسا تمكن من سرقة الوصفة وفر بها إلى إيطاليا سنة 1606، ثم إلى بقية مدن الدنيا. انتشرت في بريطانيا سنة 1763، وهناك أضيف إليها الحليب لأول مرة، ثم وصلت أمريكا سنة 1765.

غير أن الشكولاتة التي أنتجتها سويسرا هي التي نالت الشهرة العالمية، لدرجة أن السلطات السويسرية ضبطت سنة 1980موظفين يحاولان بيع 40 وصفة لصنع الشكولاته للصين والاتحاد السوفيتي، وكاد الأمر أن يتسبب في أزمة سياسية، فلقد عاملت سويسرا الموظفين وكأنهما جاسوسان، ولا نتعجب من هذا الإجراء بعدما نعرف أن إجمالي ما صدّرته سويسرا من تلك السلعة في تلك السنة بلغت قيمته 240 مليون فرنكا سويسريا، ليصل سنة 2004 إلى 814 مليون فرنك سويسري، فقد بلغ إجمالي ما صدرته 148 طنا، وبهذا أصبحت سويسرا أول دولة منتجة للشوكولاتة تليها بلجيكا ثم بريطانيا ومن بعدها فرنسا وتقبع أسبانيا في المرتبة الخامسة.

وهكذا كونت دول من مادة لم تكن معروفة دخلا أساسيا لها، ولا داعيَ إلى أن أخبركم عن مواطنيها الذين يعيشون من وراء هذه الصناعة حتى يومنا هذا، أما أولئك الذين ابتكروا هذه المادة فلا أثر لهم يذكر، ثم لحق بهم من وصلهم سر المهنة جاهزا وبدعم ونظام يسهل عليهم سرقة العمولات من دون عناء، وبين أيديهم سوق رائجة من دون مُزاحم ولكنهم أفلسوا وأقفلوا المصنع لأنهم فضلوا أن يتقاتلوا، بل ويفخخوا بقايا المصنع بالألغام خشية أن يعاد تشغيله!.

التفخيخ يتم بالألغام المستوردة من تركيا والبحرين والسودان، وهي المصنوعة في آسيا، وتقوم بها عناصر ليبية في مصنع الشكولاطة الكائن في طريق المطار "على أيدك ليمين".

وهكذا لا يمكن أن نُحمل المشكلة على نظام ولا على مكان، ولا على قناعة فكرية أو دينية لأن الحق بيّن والباطل أيضا. لم يبق إذن سوى دراسة مسألة الجينات الليبية التي تحتاج إلى علماء لفك شفرتها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»