«من الخطأ القول إن الحيوان أسوأ أو أفضل أخلاقاً من الإنسان، فالتقدير الأخلاقي لا مجال له حينما تكون الغريزة هي المتحكمة!» ولكن العقل الذي وهبه الله للإنسان جعله يوظف الحيوانات كافة لخدمته، حتى إن الأجيال الغابرة تؤكد سعة خيال الإنسان، هي التي جعلته يبهرنا بعقلياته المبكرة، وخياله الواسع الذكي، إلى حد أنه وظف الحيوانات لخدمته، بل ميز كل نوع للقيام بما يخدم مصلحته.
ولعل مشهداً لا أعتقد أن أحداً لم يلاحظه منذ طفولته، وظل طويلاً لا يجد تفسيراً له، ومنهم أنا الذي افتتحت عقدي الثامن ولم أعرف لماذا يوظف المزارع جملاً وحماراً معاً للقيام بحرث أرضه، ولم يوظف إما حمارين أو جملين.
وعليكم أن تصدقوا أنني لم أعرف السبب سوى البارحة تحديداً! فلقد قرأت مقالاً يتحدث عن عباقرة مجهولين، ابتكروا سبلاً استفادت منها البشرية كافة، ولعل توظيف الجمل والحمار لتنفيذ خدمة واحدة يعد من أبرز ابتكاراتهم المبكرة. فكثيراً ما نرى فلاحاً يحرث أرضه بمحراث بدائي يجره جمل وحمار، وقد ترى من بعيد عدداً من حميره وجماله محصورة داخل حاجز، ولكنه لم يوظف جنساً واحداً منها، بل أشرك الجنسين للقيام بعمل واحد!
إليكم السبب: جعل الفلاح الحمار يسير على الجانب غير المحروث من الحقل؛ لأن قوائمه تنتهي بحوافر قاسية مخروطية تتثبت في الأرض، لكنها تنغرز في الثرى المحروث، بينما جعل البعير يسير فوق الأرض المحروثة بخفيه العريضين فوق الأرض المحروثة حديثاً، فيدعك كتل التراب ولا يقلبه، ولا يخنق الجراثيم النيتروجينية المغذية للتربة. وهكذا اتضحت فكرة توظيف حوافر الحمار وخفي البعير!
والمتأمل في جندول ممرات البندقية المائية ينتبه إلى مؤخرته العالية إلى حد غير مألوف، والمنحرفة بغرابة نحو جهة اليسار، ولكن بمجرد أن يجلس ربانه عليها فوق مقعده يستوي القارب؛ لأن وزن جسم ربانه وقوة دفع مجدافه الطويل، بحلقته الخشبية المصممة بمهارة، تساعد الربان وتمكنه من تحريكه على نحو يشبه حركة المرفق.
ثمة رأي يقول إن أنجح الاختراعات هي أبسطها، وإن المصمم يبلغ حد الكمال عندما لا يستطيع أن يختصر مما اخترعه شيئاً، ولو بسيطاً! وثمة أشكال من التصاميم كنت أعتقد أن غايتها ناحيتها الجمالية، ولكنني عرفت فيما بعد أنها لضرورة خدمية مهمة. ففي العديد من البلدان الإسلامية تكثر الحواجز السميكة التي تسمى المشربية، والتي نعتقد أنها بسبب حرمة حريمنا، ولكنني اكتشفت أن مربعات، أو قد نسميها ثقوب المشربية، هي وسيلة لتبريد الهواء، فكلما عبر الهواء ثقباً ضيقاً، فقد جزءاً من حرارته.
حتى إن اختراع «أبراج الريح» ـ وهي في الأساس مجارٍ جوفاء بأربعة أقسام تعبرها الريح من ناحية هبوبها، وتوجهها إلى فتحات في الجدران بحيث تؤمن دوران الهواء في أجزاء البيت ـ يعد من الحلول الذكية.
ولعل الأسقف المغطاة بألواح الطين الحمراء نصف الأسطوانية، المكتنفة بعضها ببعض، تعد عازلة للحرارة، والمرصوصة كظهر حمار، وفي الوقت نفسه تبردها الريح، المتحركة والمتنقلة من جهة إلى أخرى، فهي ليست شكلاً جمالياً فقط، بل تساعد كثيراً في تخفيض الحرارة بمرور الرياح من نصف سقف المنزل إلى نصفه الآخر. ناهيك عن أن أحد النصفين في السقف المحدب يكون في الظل.
ويستخدم أيضاً الطين المخلوط بالقش مادةً للبناء، وهي تقنية منتشرة في أوروبا وأميركا. وبلا مبالغة، كانت الأسقف في بنغازي تحديداً تُصنع من خليط الطين والنباتات المستطيلة القهوية الداكنة التي يطرحها البحر، وهي التي نسميها «تفن البحر». وهذه كلها ابتكارات للأسقف تمنع كثيراً من الحرارة. ولا يخفى على جيلي أن الطوب الطيني المفرغ، والمستخدم حتى الآن في البناء، يعد مانعاً فعلياً يسهم في تقليل الحرارة.
كل ذلك يشي بسعة خيال الإنسان ومعرفته المبكرة في اختراع ما يسهل حياته.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات