تأخذنا العاطفةُ إزاء الأوضاع غير الإنسانية الظالمة، التي يعاني منها المهاجرون غير الشرعيين، وقد تجشموا ضرْبَ آلاف الأميال عبر صحارى أفريقيا الوعرة، في معركة شرسة مع العطش والجوع والخوف، وجشع المهربين، وشَرَك الطبيعة وسرابها الخادع، ومتاهة كوابيسها، وذلك حتى يصل من تكتب لهم النجاة إلى ليبيا بوصفها دولة عبور لا توطين، عبورٌ باتجاه الضفاف الأخرى لحوض البحر المتوسط. بيد أننا في الوقت نفسه بتنا نستشعر خطرًا جسيمًا، أمسى يهدد سلامة بلادنا، وأمنها المجتمعي.
منذ سنوات طوال، تتكرر في ليبيا أحداث مسلسل الهجرة غير الشرعية، وتراجيديا اللاجئين، وما رافقها من مخاوف «التوطين» وإعادة التوطين؛ حيث لا تزال حلقات هذه الدراما تعيد إنتاج صورها في معظم جهات الوطن، بين مد وجزر. وفي كلتا الحالتين، تتكبد ليبيا أضرارًا فادحة، بوصفها أكثر بلدان حوض البحر المتوسط في الضفة السمراء عرضة لطوفان بشري لا يُحد. حيث يتواصل العرضُ، وتتكدس الأسئلة، وتتراكم الشبهات، وتتداخل الأدوار، ويتغير كتاب السيناريو، والممثلون والمخرجون والمتفرجون والضحايا والمجرمون، وتتنوع المشاهد بين الصحراء والبحر ومخازن الحجز وغرف التعذيب. وفي الآن نفسه، تتناسل جرائمُ النهب والغش والنصب والدعارة والاتجار بالبشر. ويومًا بعد يوم تزداد اللعبةُ غموضًا وتوترًا وتعقيدًا وإثارة، حتى أضحى الليبيون أشد خوفًا على مصيرهم.
وهنا نلفت انتباه السيدات والسادة المتابعين (لدراما الواقع في ليبيا)، كالهجرة غير الشرعية، والتوطين، والإجلاء وإعادة التوطين، لوجود مشاهد عنيفة قد تصدم الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن السادسة عشرة، وكذلك ذوي الحساسية المفرطة، والمرضى وكبار السن. ففي تتابع اللقطات ثمة مناظر شاذة تنفتح أحيانًا على قتل القطط وأكلها نيئة في شارع عام، وأحيانًا أُخر يظهر في الصورة أشخاصٌ يمشون حفاة عراة (ربنا كما خلقتنا) جهارًا نهارًا داخل أحياء سكنية، ناهيك عن بشاعة العنف الجسدي وجرائم السرقة والنهب، والنوم والتغوط في الحدائق العامة، وتحت الكباري وعلى الأرصفة، كما هو الحال في شارع الرشيد و(حي الصريم) بطرابلس.
وبذا ننصح المواطنين الليبيين الذين لا حول لهم، بالتوجه إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا، وتقديم طلبات لجوء إنساني، علها تتعاطف مع قضيتهم وتخاطب دول العالم، من أجل حمايتهم وإعادة توطينهم (هم أيضًا) بوصفهم بشرًا يستحقون الرعاية الإنسانية، ولو عبر إقامة مخيمات في سيبيريا، أو غابات الأمازون التي لهم فيها نصيب من قصة عشق، تركها قبل بضع سنوات مواطنٌ ليبي مهاجر، وُصِف برجل الأدغال.
نشير إلى أن مهمة «الإجلاء وإعادة التوطين» حسب أدبيات المفوضية السامية للاجئين، تنطبق تحديدًا على فئة اللاجئ الذي سبق له الحصول على استحقاق المواطنة في البلد الثاني محل اللجوء، وهي مسألة تتعلق تحديدًا باللاجئين وحدهم، لا (المهاجرين غير الشرعيين). وهذا الإجراء يتطلب تنسيقًا مسبقًا بين المفوضية والبلد الثاني كمهمة تقتصر فيها الحماية على فئة المضطهدين والمستضعفين، الفارين من ويلات الحروب والفوضى. وفي الغالب يقتصر توجيه مثل هذه المطالبات على الدول الموقعة على اتفاقية حماية اللاجئين، مع احترام معاييرها الداخلية الخاصة بها في تحديد ما يتعلق بكيفية الحماية ومدتها، فضلاً عن إجراءات تنظيمية إدارية ولوجستية كبروتوكولات متعارف عليها في هذا الشأن. وهنا يستوجب التذكير بأن ليبيا لا تعتبر بلدًا ثانيًا للاجئين الذين يدخلونها برًّا إلا للأقاليم الحدودية فقط، مثل: تونس، الجزائر، النيجر، تشاد، السودان، ومصر، وهي جميعها (باستثناء السودان) تعتبر بلدانًا مستقرة وآمنة.
وبذا سيُعد مصطلح «إعادة التوطين» بالنسبة للنازحين بليبيا فاقدًا للدقة اللغوية والقانونية طالما لم يُوطَّن النازح، أي لم ينل استحقاق اللجوء بعد، حتى يعاد توطينه في بلد ثالث لأسباب تستدعي هكذا إجراء. وبما أن ليبيا لم توقع على اتفاقية حماية اللاجئين 1951 وبروتوكول 1967 فهي غير ملزمة بحماية اللاجئين إلا في الحدود الإنسانية الضيقة، وعلى نحو موقت ومعلوم ومسوغ إنسانيًا، ضمن شروط أساسية من بين أولوياتها ضرورة توفر مناخ مستقر وآمن للإيواء الموقت، الأمر الذي يتنافى تمامًا مع أوضاع ليبيا الداخلية التي تعاني انعدام الاستقرار الأمني والمجتمعي. هذا في حالة اللاجئين، وهم قلة قليلة ترتبط أوضاعهم بانتهاء الحروب وإعادة الاستقرار النسبي في بلدانهم.
بالإشارة إلى عديد شهادات العابرين من المهاجرين غير الشرعيين، التي تنشرها منصات ووسائط السوشيال ميديا، تعتبر الحياة في ليبيا أشبه بالجحيم، حسبًا لملخصات المآسي البشعة في سرديات الابتزاز والقتل والاغتصاب الجنسي. صحيح قد لا تخلو هذه القصص بطبيعة الحال من الأكاذيب وشطح المخيلة، سعيًا من أصحابها لتنضيد حبكة مقنعة تنسجم مع مقتضيات (طلبات اللجوء)، التي تضع على رأس قائمتها قصص (الاغتصاب الجسدي، والمثلية، والهوية الجنسية، والتمييز العنصري) كقصص ترجح تأهيل أصحابها لنيل اللجوء.
وسواء أكانت هذه الشهادات حقيقة أم خيالًا، فإنها تؤكد دون مواربة أن ليبيا لا تعد خيارًا مثاليًا للتوطين، سواء أكان دائمًا أو موقتًا. ففضلاً عن كونها ليست بلدًا آمنًا، فإنها من جهة أخرى ليست بذلك الثراء (المعلن)، طالما الحد الأدنى من دخل الفرد فيها يعادل ألفًا ومئتي دولارٍ سنويًا، وأنها بالقياس إلى أصغر ولاية ألمانية مثل (سارلاند) التي بالكاد يبلغ عدد قاطنيها نصف سكان العاصمة طرابلس، ومع ذلك تتمتع بدخل سنوي يتجاوز أربعين مليار دولار أميركي. وحتى تصبح ليبيا دولة صناعية كبرى مثل ألمانيا، ذات سيادة وقدرة استيعابية تمكنها من فتح مجالها الجغرافي أمام المهاجرين بوصفهم ثروات بشرية، في وسعها تأمين سكنهم وتعليمهم وعلاجهم وإعادة تأهيلهم مهنيًا لتغطية حاجة مصانعها وشركاتها ومؤسساتها الخدمية، إذ ذاك سنهتف بأعلى حناجرنا: «نعم للتوطين».
نشير أيضًا إلى أن ليبيا ليست استثناءً داخل المنظومة الدولية؛ فهي الأخرى لديها قوانين سيادية تنظم عملية دخول وخروج الأجانب إلى إقليمها برًا وبحرًا وجوًا، عبر منافذ وموانئ ومحطات عبور محددة. وإن معالجة ملف الهجرة غير الشرعية في جانبه الحقوقي إنسانيًا، تقع مسؤوليته على العالم أجمع ممثلًا بهيئة الأمم المتحدة، سواء فيما يتعلق بإيجاد التصورات وبرامج العمل الكفيلة بحلحلة هكذا أزمة، أو من حيث التكلفة التي ينبغي أن تندرج ضمن بروتوكولات الشراكة والتكافل الدولي، لا أن يقع عبؤها الأكبر على عاتق ليبيا وحدها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات