زويلة مدينة ليبية عريقة يعود تأسيسها إلى عصور ما قبل التاريخ، وهي من الواحات الليبية التي لعبت دوراً كبيراً في التاريخ الليبي، خاصة في تاريخ ليبيا بعد الفتح الإسلامي، فقد كانت أول مدن الجنوب التي فتحها عقبة بن نافع العام 22 هجرياً، والتي لعبت دوراً مهماً في الفتوحات وفي نشر الإسلام عبر أفريقيا.
تقع زويلة في حوض مرزق شرق مدينة مرزق بحوالي 150 كم، وجنوب طرابلس بحوالي 1300 كم.
كانت زويلة ومنذ القدم مركزاً لطرق القوافل بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، أي بإمكاننا اعتبارها أحد مراكز تجارة الترانزيت القديمة والرائدة في هذا المضمار منذ ما قبل التاريخ، وهي وبجدارة كانت وريث جرمة وحضارتها، وقد ارتبطت وبشكل مميز مع كانم وبرنو.
إلى جانب التجارة كانت الزراعة وإنتاج التمور بشكل خاص من عناصر اقتصاد زويلة المهمة.
المؤرخ الروماني «بليني» يذكر زويلة باسم «كليبا أو شيليبا»، ثم تظهر باسم «سيلالا».
بعض السرديات التاريخية تقول إن قبيلة هوارة المنتشرة بسرت أنشأت عاصمة لها بزلة، إلا أن البيزنطيين هاجموا زلة ودمروها، فنزح سكانها الهواريون إلى الصحراء من جديد ليؤسسوا «زويلة»، كما حدث مع قبائل مزاته التي كانت تسكن صحراء سرت وطاردها البيزنطيون لتستقر في ودان. الاسم الروماني «شيلالا» كان يطلق على داخل الحصن الروماني، أما خارج الحصن فكانوا يسمونها زويلة، وهو اسمها الليبي القديم.
زويلة وودان كانتا، وبفعل التدافع، قد نمتا واتسعتا على حساب جرمة، التي تراجعت وذوت وماتت.
بعد فتح برقة التي كانت زويلة مرتبطة بها تجارياً، اتجه عقبة بن نافع لفتح الجنوب كمفتاح لأفريقيا، وكانت زويلة أول قواعد الفتح الإسلامي في الصحراء وباتجاه أفريقيا أو بلاد السودان، وأيضاً لأن الجنوب والصحراء يمكن أن يكونا ملاذاً لمقاومي الفتح الإسلامي. حتى بإمكاننا القول إن زويلة كانت نقطة تمركز الفاتحين لعبور الصحراء، وقد سبقت تأسيس القيروان بحوالي ربع قرن أو أكثر.
نظم عقبة بن نافع الإدارة والاقتصاد والشؤون العامة بزويلة، وترسخت زويلة كمركز للفتح والدعوة، ولكن بعد قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعزل عمرو بن العاص من ولاية مصر وعزل عقبة بن نافع، حدث ارتباك وحدثت تحولات بفعل صراعات المركز، فعاشت زويلة وفزان فيما يشبه الاستقلال والإدارة الذاتية.
بعد نهاية عهد الراشدين ووصول الأمويين إلى السلطة حدثت الصراعات المعروفة وظهرت الانشقاقات والصراعات في دولة الخلافة، وفقد بعض الخلفاء السيطرة على شمال أفريقيا، وسيطر ما يسمى بالخوارج، وتعرضت طرابلس للتخريب والدمار في العام 142 هـ، وسيطر في طرابلس وضواحيها وفي جبل نفوسة مذهب الإباضية، وأرسل الخليفة العباسي أبوجعفر المنصور حملة للقضاء عليهم بقيادة أبي الخطاب المعافري وهزمهم في تاورغاء، فنزحوا إلى الجنوب وتمت مطاردتهم حتى ودان وزويلة.
إثر هذا اللجوء الإباضي لزويلة تحت قيادة ابن الخطاب صارت زويلة عاصمة لمملكة أو دولة هي دولة بني الخطاب، وازدهرت تحت نظام حكم كان بسيطاً يتكون من الملك ومجلس للشورى من رجال الدين والفقهاء.
زويلة ودولة بني الخطاب مثلتا تجربة ليبية لافتة في تكوين الدول وبنائها، وأظهرتا قدرة الليبيين، وفي أسوأ الظروف ورغم الصراعات والفتن والحروب، شريطة وجود القيادة الواعية والمتسلحة بالفكرة والإرادة، على بناء الدولة وإدارتها وتطوير مواردها وترسيخ كيانها.
الليبيون الآن، وعلى الرغم من التجارب التاريخية الكثيرة التي مروا بها ومن بينها دولة بني الخطاب، يعجزون عن إعادة بناء دولة انهارت، رغم النفط والدولار وبعثة الأمم المتحدة للدعم وأصدقاء ليبيا وأشقائها، ورغم السياسيين والاقتصاديين والمسلحين والأسلحة، يعجزون عن إعادة بناء دولة ولو بحجم دولة زويلة وتجربتها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات