في الآونة الأخيرة برزت على وسائل التواصل الاجتماعي قضية اللقاء الصحفي الذي أجرته الصحفية الإيطالية الشهيرة «أوريانا فالتشي» (1929- 2006) في جريدة الكوريري ديلا سيرا في ميلانو 1979 والتي تعتبر من أكبر الجرائد الأوروبية.
اللقاء جرى في ظل وضع خاص بالجريدة الكوريري ديلا سيرا حيث كانت تمر بظروف مالية وخلافات بين الجهات المالكة آنذاك ووصلت المعلومات لليبيين من خلال رجل أعمال لبناني يقيم في ميلانو. وحثهم على شراء الجريدة كي يستطيع من خلالها أن يتحصل على قيمة مالية كبيرة. ودخل مع إدارة الجريدة في مفاوضات، لكنّ طرفاً من الجريدة رفض البيع للقذافي، ومن خلال المفاوضات توصلوا لحل إيطالي أن تجري فالتشي لقاء مع القذافي مع تركه لفكرة شراء الجريدة.
وافق الليبيون على الصفقة، وحزمت أوريانا فالتشي حقائبها إلى طرابلس للقاء القذافي والذي اعتبرته جزءا من مغامراتها الصحفية مع الشخصيات الجدلية في العالم. كما أن القذافي شعر بأن لقاء فالتشي سوف يقدمه للعالم بوجه آخر. وسوف يمنحه لمعاناً دولياً يحتاجه وسط نفور عالمي منه. حيث بعد هذا اللقاء بشهور فقط بدأت الاغتيالات للسياسيين والمنفيين الليبيين في روما وميلانو ولندن وباريس وألمانيا.
فالتشي صحفية بارعة جداً سبق لها أن أجرت مقابلات مع جيفارا وكاسترو والجنرال جياب وكيندي وشاه إيران وكيسنجر وماو تسي تونغ والخميني الذي قابلته دون غطاء رأس. وهي مناضلة منذ أن كانت فتاة في المقاومة الإيطالية ضد النازية لأن أباها كان أحد رجال المقاومة في فلورنسا الإيطالية.
وارتبطت بعلاقة مع مناضل يساري يوناني «أكلوكس بانفرليس». عملت مراسلة صحفية في الحرب العالمية الثانية وتعرضت لإطلاق نار 1968من جنود مكسيكيين ثلاث مرات تركوها اعتقاداً منهم أنها توفيت. كما قامت فالتشي بإجراء «14» مقابلة صحفية مع شخصيات دولية وقادة سياسيين. قالت للقذافي لماذا أرسلت رفات الجنود الطليان إلى إيطاليا أجاب لأنهم غزاة. أنت يا كولونيل تعتبر نفسك جماهيرياً لكنك تحمي نفسك بالجنود والمدرعات. أجاب غير صحيح الغرب هم من يدعي ذلك. جنودك هم من قاموا بتفتيش شعري وحقيبتي وحتي حذائي. أعتقد أنك تمتلك حتى حراسات من المقربين منك، أي من قبيلتك.
اشتد الحوار بينهما وتأجل اللقاء ليوم آخر في طرابلس. اليوم الثاني بدأ ساخناً سألته كولونيل للأسف هناك سلوكيات سياسية لك تبدو فيها ديكتاتوراً. أجاب لا أنا قائد ثورة. فالتشي لا ليست ثورة بل انقلاب عسكري. أجاب لا، ثورة والجماهير هي التي تهتف بها وباسمي معاً. قالت له يا كولونيل حتى الألمان والطليان هتفوا لهتلر وموسوليني. سخن اللقاء كثيراً وتبرم القذافي من فالتشي. أسرعت بالقول لقد انزعجت من هذه الأسماء كولونيل قذافي. أجاب مشكلتك لم تطلعي على الكتاب الأخضر. فالتشي قرأته في نصف ساعة إنه صغير ولديَّ الكثير من الملاحظات لكنني استغربت من شىء فيه. أنك وضعت حلاً نهائياً للكثير من القضايا، بينما القرآن لم يحدد هل الملائكة ذكور أم إناث؟
هذه المقابلة الصحفية كانت نادرة لأنها صراع بين صحفية تملك ملكات كبيرة في السياسة والحنكة، ورجل قاد عملية انقلاب أرادها ثورة بكل المعايير. فالتشي تقترب من الصحفي العربي الكبير «هيكل»، كلاهما قابل شخصيات دولية كبيرة. وغطى حروباً كمراسل. لكن هيكل تفوق على فالتشي أنه أصبح قريباً من زعيم كبير جمال عبد الناصر فاطلع على أسرار كبيرة في العالم. فالتشي هاجمت الإسلام في كتاب «قوة العقل» وربطته بعد أحداث الأبراج 2001 في أميركا بالإرهاب كما أثارت كتاباتها الأخيرة ردود أفعال كثيرة وتعرضت لمقاضاة من قبل أطراف إسلامية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات