Atwasat

أربع صور شمسية

مفتاح. العماري الثلاثاء 12 مايو 2026, 02:07 مساء
مفتاح. العماري

1
في يومٍ ما كان لمدينتنا قطار، وكانت للقطار سكك حديد ومحطات وحكايات. وفي يومٍ ما أيضًا كانت لدينا حافلة، لها خطوط سير منتظمة تغطي كافة أحياء مدينتنا وضواحيها. كانت أسعارها زهيدة، تناسب العامل والفلاح والطالب والجندي وصغار الموظفين والمحالين على المعاش.

كان في إمكان كل راكب أن يقصد وجهته في مواعيد محددة، دونما تعقيد. وحتى عندما يفوته، لسببٍ ما، موعد الحافلة، لا يقتضي الأمر كثير عناء؛ فقط سينتظر لبضع دقائق ريثما تأتي الحافلة التالية. بضع دقائق ستمضي دون ملل؛ طالما ثمة وجوه مألوفة يعرفها وتعرفه. هذه هي تقاليد محطات الركاب؛ أن يتجاذب المرء الحديث مع الناس ويتعرف إليهم، ويرفق بالمسنين والنساء والأطفال.

أجل، في يومٍ ما كانت لدينا حافلة بلون البرتقال، وكانت مشيتنا نشيطة، والشوارع نظيفة، والأرصفة متسامحة بلطف، والناس طيبين وبسطاء. أينما كنا نذهب، ثمة أناس طيبون وبسطاء، نشاطرهم مودتنا وأمنياتنا وأحلامنا. ولأمرٍ ما كنا نبتسم.

2
مع اختفاء القطار وغياب الحافلة، أضحى المواطن الليبي، الذي لا يملك سيارة خاصة، سواء أكان فقيرًا أو عاجزًا أو مسنًا، يعاني الأمرَّين خلال تنقله داخل مدينته، والتي، لسببٍ غامض، قررت الدولة الليبية حرمانها من أي وسيلة من الوسائل المعتادة لنقل الركاب داخل المدن، كالحافلة والترام ومترو الأنفاق.

وكأن الدولة الليبية تفترض قدرة جميع الليبيين على امتلاك سيارات خاصة، وتثق تمامًا في قدرتهم البيولوجية والنفسية على خوض معترك الزحام، في مدن باتت شوارعها تختنق من تكدس سيارات الخردة؛ لتسجل أرقامًا قياسية عالميًا، تضع ليبيا في مقدمة الدول الأكثر استيرادًا للعربات المستعملة، ناهيك عن إحصائيات ضحايا حوادث المرور، التي تفوقت على قتلى حروب الربيع.

وهكذا، بعد مضي قرابة أربعين عامًا على خلو طرقات وشوارع العاصمة الليبية من حافلات النقل العام، سيشي هذا النقص بفداحة قصر النظر، عندما تتجاهل الدولة الليبية الأهمية القصوى للمواصلات العامة، كضرورة لا تقف عند حدود امتصاص الزحام الناجم عن الاكتظاظ المخيف للسيارات، في مدينة تفتقر لشبكات طرق مريحة، مدعومة بأنفاق وجسور وكبارٍ وشوارع فسيحة، وط وأمكنة خاصة بركن السيارات، وأنظمة مرور متطورة.

تحترم كبار السن والأطفال والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة؛ بل لأن وجود شبكة نقل عامة متنوعة ومنتظمة داخل المدن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بانتظام وتطور القدرة الإنتاجية للبلاد، باعتبارها، أي شبكة النقل والمواصلات العامة، من أهم الأولويات الإستراتيجية للتنمية الشاملة، بما فيها تنمية الموارد البشرية. وأن أي خلل في هكذا منظومة سينعكس سلبًا على القدرة الإنتاجية، ويسهم من ثم في خلق تجمعات عشوائية.

3
أن تكون من سكان مدينة مثل طرابلس الليبية، من دون أن تملك سيارة خاصة، سيغدو عيشك أشبه بعقوبة، إن لم يكن ضربًا من العبث، ولا سيما بالنسبة للمسنين. كأن المواطنة، في هكذا بلد غريب الأطوار، أمست حكرًا على الأصحاء والمقتدرين ماليًا، الذين في وسعهم امتلاك سيارة، حتى ولو كانت مجرد خردة بهيئة استعمال أوروبي، أو حتى صومالي.

المفارقة أن معاش الشخص المتقاعد في دولة ليبيا الغنية يبلغ، في المتوسط، مائة دولار شهريًا (بسعر سوق العملة الموازية)، أي ما يعادل ألفًا ومائتي دولار سنويًا. ولعل هذا البذخ وحده يكفي للتعبير عما آلت إليه أحوال المحالين على المعاش، الذين، علاوة على ضنك العيش والحرمان من التأمين الصحي، لا ينعمون حتى برصيف مهذب يكفل لهم المشي الآمن دونما عثرات.

فالرصيف الطرابلسي، على ضيق هامشه، لم يسلم هو الآخر من اعتداءات الركن العشوائي للسيارات، ومعروضات المحال التجارية، واستغلال أصحاب المقاهي، ناهيك عن تلك المساحات التي تأكلها أعمدة الإنارة، والأشجار الميتة، وحفر الصرف، وصناديق النفايات، وأشياء أخرى تنتمي لسلالة سريالية من نمط سلفادور دالي.

4
في طرابلس، كمدينة مثالية لتوطين الدستوبيا، سيبدو خيار المشي حماقة كبيرة، طالما أن شوارعها لا تتوفر على حد أدنى من تلك العناية التي تدل على وجود دولة معنية بتأمين متطلبات ساكنيها وسعادتهم. دولة لها مؤسسات وقوانين ونظم وأخلاق، تكفل لجميع الأفراد قدرًا من العدل العام، الذي يمكن التعبير عنه بسلوك متسامح، قد تشي به خطوط حافلات عامة، وشوارع نظيفة، وأرصفة محمية بقوانين ولوائح مدنية تمليها أخلاق وتقاليد تليق بمدينة عصرية، تجعل من اتساع الرصيف وطمأنينته جزءًا رحيمًا من أبجديات لغة الوطن، عندما يتسع لإيواء جميع سكانه دونما استثناء.

وحتى لا يتعثر المسنون من آبائكم وأمهاتكم، فلا ضير، يا أصحاب السمو والفخامة، لو خصصتم القليل من المال، والقليل من الوقت، مع القليل من الحياء، لإعادة الحافلة إلى شوارع مدننا، وإنشاء رصيف يليق بآدميتنا. ولا ضير أيضًا من بضعة حدائق عامة، لنشعر، ولو لمرة واحدة في العمر، بأننا نقطن مدينة حقيقية، حتى لو كانت بمواصفات القرن التاسع عشر لأي بلدة صغيرة في الضفة الأخرى من حوض المتوسط.

وعندما قلت في المستهل: «في يومٍ ما كان لمدينتنا قطار، وكانت للقطار سكك حديد ومحطات وحكايات»، لم يكن ذلك ضربًا من النوستالجيا، وإنما هي صور تسجيلية لمفارقات يتعذر فهمها؛ لأن وجود القطار ومترو الأنفاق والترام والحافلة داخل المدن يعد العصب الأهم في تعزيز قدرات الثروة البشرية، ومسيرة الإنتاج والتحول الاقتصادي. فلماذا صرنا نتوق إلى هكذا بديهيات كما لو أنها معجزة؟.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»