Atwasat

الصعود بفكرة مسعد بولس.. انتحار أم نجاة؟

ناجي جمعة بركات الإثنين 11 مايو 2026, 03:59 مساء
ناجي جمعة بركات

في هذا البلد الذي يتقن الانتظار أكثر من إتقان الحياة، تسقط الأفكار كما تسقط الأمطار النادرة، ولا يفكر بها أحد… لا أحد يصدقها، ولا أحد يفرح بها، فقط ينظر إليها الناس من خلف نوافذ الخوف حيث تكاثرت عليهم الأطروحات مثل حبات الرمل التي تتساقط على بيوتهم يوميا...

السيد مسعد بولس لم يأتِ على حصان أبيض، ولم يحمل بياناً ثورياً، بل قذف فكرة… فكرة يتداولها الكبار في الغرف المغلقة، بينما يتداولها الصغار في المقاهي على شكل شائعات. التقى صدام حفتر، وجلس مع إبراهيم الدبيبة، وتصافحت الأيادي فوق الطاولات، لكن الفكرة نفسها بقيت يتيمة… لا اسم لها، ولا ملامح، ولا حتى شائعة واضحة المعالم وإنما ظلت مخفية في جيوب البعض.

في شرق ليبيا وغربها، هناك من يرفض… لا لأنه فهم الفكرة ولكنه يرفض خوفا من ضياع منصبه، أو لأنه اعتاد الرفض. جماعة المفتي وبعض المتنمرين السياسيين يصرخون، كأن الفكرة ستسرق منهم الهواء. وفي المقابل، يقف عبد الحميد الدبيبة صامتاً رغم أنه يعرف بالفكرة، صمت من يعرف أن الربح لا يحتاج إلى ضجيج، وكذلك حفتر… كلاهما في موقع الرابح، سواء نجحت الفكرة أو فشلت سيستمرون.

كأن ليبيا لعبة شطرنج، والقطع نفسها تفوز مهما تغيرت القواعد.
أما الشعب… فهو خارج اللعبة.

دائماً خارج اللعبة، مغيب ولا أثر له سواء هذه المرة أو المرات السابقة.
الشعب الذي لم يُستشر حين قامت الحروب، ولم يُستشر حين توقفت، ولم يُستشر حين تقاسمت المدن، لن يُستشار اليوم في فكرة بولس أو في تنصيب حكومة الوحدة الوطنية أو أي حكومات سابقة منذ 2012م، هو فقط مدعوٌ لتحمّل النتائج، كعادته، كقدرٍ مكتوبٍ بخطٍ رديء ومعاناة يومية لا يتحملها المسؤولون ولكن يتحملها الشعب الذي ظل خارج اللعبة دائماً.

النخب؟
غائبة… أو مغيّبة… أو ربما تعبت من التصفيق لخيبات لا تنتهي حيث عدم تنظيمها وتشرذمها الدائم جعل مثل هذه الأفكار تطرح ويهلل لها من يهلل ويرفضها من يرفض.

وفي الخلفية، يلوّح تقرير الخبراء في مجلس الأمن، لا كوثيقة إنقاذ، بل كمرآة قاسية: فساد، نهب، تهريب… وأسماء. أسماء تجلس اليوم حول الطاولات نفسها التي تناقش «فكرة الإنقاذ». يا للمفارقة… الأيدي نفسها التي تسرق، هي التي تخطط للمستقبل ويتعامل معهم بولس وأمثاله كثيرون لمصالح دولهم وشركاتهم فقط.

هل كُتب على الليبيين أن يتنقلوا من خيبة إلى خيبة؟
من ملكية زاهدة تعاملت مع ليبيا بشيء من الطيبة، إلى سبتمبر عسكري صارخ استعمل القوة الخشنة ضد شعبه، إلى فبراير مرتبكة تبحث عن نفسها في مرايا الآخرين بعدما سرقوها أمام أعين الليبيين؟

الوضع لم يعد سيئاً فقط… بل أصبح مألوفاً والأغلبية تنتظر، وهذه هي الكارثة

بولس وترامب… رجال صفقات
والصفقات لا تبني أوطاناً، بل تشتري الوقت فقط… وتبيعه لاحقاً بثمن أعلى وخونة الأوطان يقومون بهذا دون ملل.

فهل ينتصر الليبيون؟
أم يتعبون… فيسلمون أمرهم للواقع، كما يسلم الغريق نفسه للماء؟
في ليبيا، لا أحد يموت فجأة…
بل يموت بالتدريج… فكرةً فكرة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»