Atwasat

بعد صلاة العصر

محمد عقيلة العمامي الإثنين 11 مايو 2026, 12:13 مساء
محمد عقيلة العمامي

يُبدي اليونانيون إعجابهم ويعبرون عن بهجتهم بتكسير الصحون تحت أقدام المغنين والراقصين على أنغام آلة (البزوكي) اليونانية المتميزة بإيقاع موسيقاها الوترية التي زادت شهرتها كثيراً من بعد فيلم (زوربا) المأخوذ عن رواية المبدع اليوناني الشهير (كزنتزاكس) الشهيرة، والتي أبدع الممثل أنتوني كوين في تمثيلها، حتى إنها زادت كثيراً من شهرته، ويقال إنها سبب اختياره لبطولة فيلم (عمر المختار) الذي أتقن دوره بصورة رائعة. وتبلغ سعادة اليونانيين ذروتها عندما ينهضون، ويشكلون دائرة وأذرعهم متشابكة، ويأخذون في الرقص، بقفزات منتظمة فوق شظايا تلك الصحون حتى بزوغ الفجر.

عشق اليونانيين للسهر، وحبهم للرقص والحفلات والموائد العامرة بالمشويات و(المقبلات والسلطات) جعل مجموع عطلاتهم السنوية 174 يوماً في السنة، وتعد أطول إجازات مستحقة لأي بلد في العالم، مثلما تقول المعلومات! وعلى الرغم من حبهم للفن، والشجن والرقة، لا يترددون أبداً في تكسير صحون بيتهم فوق رأس من يزعج قيلولتهم!

القيلولة، وقت مقدس في اليونان، لدرجة أن القانون يحمي هدوءها؛ فكل شيء يكاد أن يتوقف تماماً خلالها: لا ضجيج أطفال، ولا إذاعة، «ولا نارك ولاعة يا بلادي!»، ولا جارة تستعير بخوراً، أو قرص «بنادول»، وتتوقف، بالضرورة، أعمال صيانة إن كانت قائمة في شقة من شقق العمارة، أو في الشارع، بل حتى حركة مرور الحافلات تنخفض إلى حدها الأدنى. إن القيلولة مقدسة أيضاً في بلادنا، ولكن من دون قانون يحميها، بل حتى أعرافنا الاجتماعية تتجاهلها، على الرغم من اتفاقنا جميعاً على متعتها وأهميتها، والحاجة إليها بسبب طقسنا الصيفي، ولعل اتفاقنا مع اليونان في أهمية القيلولة مرجعه أننا نكاد أن نكون على خط طولي واحد، وبالتالي تشابه طقسنا، ولكن رياح (قبليهم) نسائم بحرية!

ولكن بطاقة الدعوة لحضور عقد قران، هي في الواقع العدو المزعج للقيلولة الليبية! بسبب قدرتها الخارقة على رفع ضغط دم المرء حال استلامها! فهي إن وصلته تضايقه لأنها تحرمه من سلطنة القيلولة الممتعة، وإن لم تصله تثيره حد الحنق، فيتذكر كل شيء رديء عن صاحب هذه المناسبة لإسقاطه من اهتمامه، وإقناع نفسه بعدم تلبية الدعوة!

ويعود السؤال المعتاد بشأن هذه المناسبة، ولماذا لا تقام من بعد صلاة المغرب مثلاً؟ وتتواصل تساؤلاته: لماذا نتجاهل، في ليبيا، هذا الاختراع الإنساني البديع، الذي يقسم الحياة إلى ساعات ودقائق وثوان، المعمول به في البلدان المتحضرة كافة؟ لماذا لا يكون موعد عقد القران في الساعة السابعة مساءً من اليوم الفلاني مثلاً؟ بدلاً من ترك الموعد مفتوحاً إلى ما شاء الله، لأن من بعد صلاة العصر، في الصيف، تعني أربع ساعات كاملة، فهي الزمن الذي يفصل ميقات صلاة العصر عن المغرب! وهو زمن ينقلك من بنغازي إلى المسجد الأقصى!

طقوس عقد القران غرضها الإشهار، باعتبار أنه من شروط الزواج، وإشهار مناسبته بسبب الفرحة، وكذلك السنة، ولقد بدأ أمر الدعوة إليه، في بنغازي، في وقت كانت فيه الساعة ترفاً لا يطال بسهولة؛ أذكر أن أحد أصدقائي استعار ساعة زميله الثري وانطلق بها يوم عيد، للمصورة اليونانية (أنجلينا ليفدارس) التي كان محلها بالقرب من ميدان الشجرة وبجوارها (القوبو) وهو أيضاً مصوراتي يوناني! ووقف أمام عدستها رافعاً ذراعه عند مستوى صدره، لينبه مشاهِد الصورة إلى الساعة التي تزين معصمه! فقالت له ساخرة، بلغة عربية على الطريقة اليونانية: «في يونان واخد يصور مع واخدة حلوة، مش ساعة وكمان (جوفيال)!»
كل ذلك لأنه لم تكن هناك وسيلة لتحديد المواعيد، سوى أوقات الصلاة، وأن صلاة العصر هي الأنسب. زمان كان أصحاب المناسبة يكلفون مقهى قريباً من بيت العروس، بتنظيم المناسبة، فيرش الشارع -المُترب- بالماء للطراوة والحد من الغبار، ثم تصف الكراسي ويتوافد المدعوون، ويأخذون أماكنهم، ويأتي فقيه الجامع مبجلاً إلى (المربوعة) الفائحة بماء الزهر، وبعدما تتم إجراءات العقد، يعلن أحد الشباب بصوت جهوري من أمام الباب: «الفاتحة» وينقلها أحد الأطفال إلى داخل المنزل إلى النساء وترتفع الزغاريد وتوزع أكواب (الشربات) و(الباستي)، ويتخاطف الأطفال ما يصل أيديهم من خيرات المناسبة. وهكذا صار العصر موعداً لعقد القران، ولكنه تغير، من بعد أن مرقت بلادنا، دائرة الفقر، وتبدل الحال، فأصبحت نسبة كبيرة من هذه العقود تتم من بعد وجبة غداء كاملة، في صالات مخصصة لذلك، وأحياناً مع الغداء الباذخ هدية قيمة يعود بها الضيف إلى بيته! ويستمتع بقيلولته!

أما العقلاء فقد انتبهوا لحل أفضل، وأسرع، ومناسب جداً لذوي الدخل المحدود، وأيضاً لكثيرين يرون أن بذخ هذه المناسبة لا داعي له، فصاروا يقيمونه في المساجد من بعد صلاة العصر، ففي ذلك بركة وأيضاً تجنب بذخ لا داعي له!

المناسبات الاجتماعية تتطور بحسب حالة المجتمع الاقتصادية، فجيلي يذكر تماماً، كيف كنا ننطلق في طفولتنا نحو أي عويل يصل أسماعنا حتى من الشوارع المجاورة، فهو يعني وفاة أحد ما، في ليبيا، حيث يفضل سرعة دفنه، ومع خروج الجثمان من البيت توزع الصدقة، وكانت في الغالب قطعة خبز (إفرنجي) ليس ذاك المعد في البيت، وتكون مغمورة بزيت الزيتون. كانت حينها ترفاً حقيقياً لم يتوقف إلا مع اكتشاف البترول، والبيبسي كولا! وصارت الصدقة ترفاً حقيقياً وبوجبات رسمية بلحوم الضأن، وعلب المياه الغازية الباردة! أما ليلة السهرية الثالثة، فبالكعك! ولم يعد الأمر مثلما كان يقول عقلاؤنا: «كل بلاد وعزاها..» وهي مقولة، كما أعلم ويعلم الكثيرون، أنها متعددة التفسيرات!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»