Atwasat

من إدارة المأزق إلى صناعة المعادلة

فرج أبوخروبة الأربعاء 06 مايو 2026, 05:11 مساء
فرج أبوخروبة

لم تعد الأزمة الليبية مجرد تعثر سياسي يمكن تجاوزه بتسويات مؤقتة، بل تحولت إلى مأزق بنيوي يكشف خللاً عميقاً في طريقة إدارة الدولة. فالمشهد الراهن، بما يحمله من انقسام واضح بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، لا يمثل جوهر المشكلة بقدر ما يعكس أعراضها، حيث تغيب الرؤية الاستراتيجية القادرة على توحيد الإرادة الوطنية ضمن مشروع جامع.

إن التركيز على عناوين مثل «التدويل» أو «البند السابع» يظل طرحاً ناقصاً إذا لم يُفهم في سياقه الحقيقي. ففقدان السيادة ليس سبباً للأزمة بقدر ما هو نتيجة مباشرة لتفكك مؤسسات الدولة وتآكل قدرتها على فرض التوازن الداخلي. فالدولة لا تقوم إلا بانسجام أجهزتها، وعندما يختل هذا الانسجام، تتراجع تلقائياً قدرتها على الحضور في محيطها الدولي.

المعضلة الأساسية في ليبيا اليوم لا تتعلق بندرة الموارد أو ضعف الإمكانات، بل بغياب إدارة براغماتية تدرك أن الزمن عنصر حاسم في معادلات القوة. ففي وقت يعيد فيه العالم تشكيل نفسه عبر التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي وتحالفات المصالح، لا تزال ليبيا تدير أزمتها بالأدوات نفسها التي أسهمت في إنتاجها.

هذا النهج، القائم على ردود الأفعال بدل المبادرات، حوّل العمل السياسي والاقتصادي إلى مجرد إدارة يومية للأزمة، دون أي أفق استراتيجي. ومع مرور الوقت، تحولت القضايا الوطنية الكبرى إلى أوراق تفاوض ضيقة تُستخدم لتعزيز مواقع أطراف معينة، بدل أن تكون أساساً لبناء توافق وطني شامل.

ويبرز هذا الخلل بوضوح في إدارة الاقتصاد، حيث تُدار الموارد بمنطق إطفاء الأزمات لا بمنطق الاستثمار في المستقبل. فغياب الشفافية والاحترافية لا يؤدي فقط إلى هدر الفرص، بل يضعف ثقة المواطن في الدولة، ويحدّ من قدرة البلاد على بناء شراكات دولية قائمة على المصداقية.

في المقابل، يشهد العالم تحولات عميقة، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بالإمكانات العسكرية، بل بقدرة الدول على بناء اقتصاد قوي، وامتلاك أدوات التكنولوجيا، وصياغة تحالفات فعالة. وفي ظل هذه المعايير، تبدو ليبيا على الرغم مما تمتلكه من موقع استراتيجي وموارد كبيرة وكأنها خارج هذا المسار، أسيرة صراعات داخلية تستنزف طاقاتها.

من هنا، فإن الحديث عن الخروج من البند السابع يجب ألا يكون هدفاً قانونياً منفصلاً، بل نتيجة طبيعية لمسار أعمق يتمثل في استعادة الدولة وحدتها وفاعليتها. فالسيادة لا تُمنح بقرارات دولية، بل تُبنى عبر مؤسسات متماسكة وإدارة رشيدة وإرادة سياسية موحدة.

التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تشخيص الأزمة، بل في تغيير طريقة التعامل معها. ويتطلب ذلك الانتقال من منطق المناورة إلى منطق الفعل، ومن إدارة الانقسام إلى صناعة التوافق، ومن استهلاك الموارد إلى توظيفها ضمن رؤية تنموية طويلة المدى.

كما أن المسؤولية تقع بشكل مباشر على النخب السياسية، التي لم يعد مقبولاً منها الاستمرار في إدارة الخلافات بالآليات نفسها. فالعالم يتجه نحو تكتلات كبرى، والدول المنقسمة على نفسها لا تجد مكاناً في هذا المشهد إلا على هامشه.

ليبيا لا تفتقر إلى المقومات التي تؤهلها لتكون فاعلاً مهماً في محيطها، لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى إعادة ترتيب بيتها الداخلي، وتوحيد مؤسساتها، واستعادة ثقة مواطنيها. فهذه هي الأسس التي تُبنى عليها كل أشكال القوة الأخرى.

في النهاية، لا يكفي إدراك حجم الأزمة، بل يجب امتلاك الشجاعة لتغيير المسار. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، بل يفسح المجال لمن يملك الإرادة والرؤية. وليبيا اليوم أمام خيار واضح: إما الاستمرار في إدارة الأزمة، أو البدء فعلياً في بناء الدولة.

وبين هذين المسارين، يتحدد موقعها في عالم لا يعترف إلا بمن يصنع استقراره بنفسه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»