لم تعد البعثة الأممية في ليبيا تبدو كجسم دبلوماسي فاعل، بل كصورة باهتة تنظر إلى نفسها في المرآة كل صباح، تُعدّل مظهرها وتتهيأ للظهور، ثم تخرج إلى المشهد فلا يتعرّف عليها أحد. فمنذ العام 2012 تغير مبعوثوها مرات عديدة، حتى بات الليبيون لا يعرفون من يغادر ومن يصل.
ستة عشر عامًا والبعثة تدور في المكان نفسه؛ كشرطي مرور في مدينة بلا سيارات، أو كبئر بلا مضخة لا تروي أرضًا عطشى. تلوّح، تصفّر، وتطالب بالدعم، بينما الجميع يعبر من خلفها دون التفات.
قيل إنها جاءت لصنع السلام، لكنها بالكاد استطاعت صياغة بيانات لا تُغضب أحدًا… بيانات غزيرة في الكلام، شحيحة في الأثر. إحاطات متكررة، مبعثرة، وعنوان واحد يتكرر: إطالة الوقت.
تراجع مستوى الثقة ليس لأنها أخطأت، بل لأنها لم تعد تحاول حتى أن تُخطئ. أصبح الحياد عندها شكلًا من الغياب، والصمت نوعًا من المشاركة. مؤتمرات، استطلاعات، لقاءات… لكن النتائج تتشابه مهما تغيّر المبعوث.
وحين بدا عليها الإرهاق، لم تعترف به، بل قدّمت مصطلحًا جديدًا: «الانسحاب الناعم»، تاركة المشهد لقوى دولية تبحث عن ترتيبات وصفقات أكثر مما تبحث عن حلول.
لم تغادر البعثة فعليًا، بل ذابت… لم تنسحب، بل تبخّرت، تاركة خلفها مقاعد فارغة وتصريحات باردة.
لا تُمانع أن تتقدم الولايات المتحدة أو أي قوة أخرى لقيادة المشهد؛ فالمسرح شاغر، والجمهور لم يعد يصفّق، والممثلون يحفظون أدوارهم دون مخرج.
أما موظفوها، فصاروا يتحركون وفق الطقس الدولي لا وفق خريطة ليبيا.
الدول تكتب… وهم يوقّعون.
الدول تشير… وهم يصفّقون.
حتى البوصلة فقدت اتجاهها، وصارت تشير إلى حيث تأتي الإشارات.
تعترف البعثة، دون أن تقول، بأن من يملك القوة يملك السرد… ويملك الحقيقة.
أما هي، فاكتفت بدور الشاهد؛ شاهدٍ يسجّل ما لا يرى، ويصمت عمّا يسمع.
وفي النهاية، لن يكون انسحابها حدثًا لافتًا…
بل سيكون امتدادًا لوجودها:
شيئًا حدث… دون أن يشعر به أحد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات