منذ قيامها في العام 1948، امتازت الدولة العبرية بخصيصة تكاد تكون فريدة في التاريخ الحديث للنشوء السياسي للدول؛ وهي رفضها القاطع لتعريف حدودها الجغرافية بشكل نهائي ورسمي.
ومع أن الاعتراف المتبادل بين الدول (وفق اتفاقية مونتيفيديو للعام 1933) يقوم في جوهره على وجود حدود واضحة، حتى وإن كانت محل نزاع، إلا أن هذا «الغموض الحدودي» الإسرائيلي ليس مجرد هفوة قانونية أو نتيجة لتعثر المفاوضات؛ بل هو عقيدة استراتيجية راسخة تهدف إلى إبقاء «خط الحدود» في حالة سيولة دائمة؛ مما يتيح للمشروع الصهيوني التمدد والتقلص وفقاً لموازين القوى، دون الالتزام بقيود القانون الدولي التي تفرضها الحدود المعترف بها وهو ومنذ أكثر من سبعة عقود في حالة تمدد لا تقلص ـ والهدف دائما قيام إسرائيل الكبرى.
فـ«الخط الأخضر» الذي نتج عن هدنة العام 1949، لا تتعامل معه إسرائيل كحدود ولا مشروعا لذلك، بل تراه خطاً مؤقتاً يمثل الحد الأدنى الذي قبلته في تلك اللحظة التاريخية. ومع مرور العقود، تحول إلى «شبح جغرافي»؛ فبينما يصر المجتمع الدولي، متى وُجد، على اعتباره مرجعية لأي تسوية سياسية، قامت إسرائيل بمحوه فعلياً عبر سياسة الاستيطان الممنهجة في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
إنَّ محو الخط الأخضر يعني، ببساطة، إلغاء لفكرة قيام الدولة الفلسطينية المتصلة جغرافياً؛ وهو ما يحوّل مفهوم «حل الدولتين» ـ الذي بات أساساً غير قابل للتطبيق ـ من مشروع سياسي جاد إلى مجرد أداة للعلاقات العامة الدولية؛ بينما تستمر الحقيقة على الأرض في التبلور كدولة واحدة، اسرائيل، بنظامين قانونيين مختلفين، حيث السيادة فيها لها، والجغرافيا ملك لقطعان المستوطنيين من نيويورك وكييف وغيرهما وهم يزرعون في الأرض حقائق عسكرية وديموغرافية جديدة يوميا.
وفي القاموس السياسي الإسرائيلي، يبرز ما تطلق عليه دوائرها العسكري «الخط الأصفر»؛ وهو خط وهمي لا يراه الا جنرالات الإبادة الجماعية في تل أبيب. وهو ليس خط ثابتاً، بل يتحرك باستمرار لقضم أراضي غزة تحت ذريعة «الأمن القومي»؛ وقد استحوذ على ما يقرب من 20% من مساحة القطاع، ممتداً من شماله إلى جنوبه. ويجري حالياً تحويل هذه الأراضي إلى مناطق عازلة يُمنع فيها أي تواجد فلسطيني بأي شكل كان، مع تهيئتها ببنية تحتية عسكرية ومواقع مراقبة دائمة؛ مما يكشف أن ما تنويه إسرائيل هو ضم هذا الجزء من القطاع إليها بشكل دائم، وتكريس حالة إعادة الاحتلال تحت غطاء أمني واه وحق الدفاع عن النفس.
ويتكرر المشهد ذاته مع بعض التفاصيل الإضافية في لبنان؛ فعلاوة على إعادة احتلال الجنوب اللبناني بالكامل تقريباً منذ بداية العام الجاري، تصر إسرائيل على نقل خطها الجديد نحو الشمال بعمق يتجاوز 30 كيلومتراً، أي وصولاً إلى نهر الليطاني وعلى كامل امتداده من البقاع في الجنوب الشرقي حتى مصبّه في مياه المتوسط غرباً. فما بدأ في جنوب لبنان على أنه «خط أصفر» آخر على غرار غزة، تحول وبسرعة إلى منطقة عازلة؛ مما يعني عملياً إعادة احتلال الجنوب بالكامل، وتجاوز المنطقة التي حررتها المقاومة اللبنانية العام 2000 بقوة السلاح، في محاولة لفرض واقع جغرافي جديد يقتطع السيادة اللبنانية. والمفارقة هنا أن إسرائيل، التي ظلت لسنوات تتمسك بـ«الخط الأزرق» الذي وضعته الأمم المتحدة كحدود تقنية مع لبنان، باتت اليوم لا تراه أصلاً، بل وتعتبره عائقاً أمام طموحاتها في قضم الجغرافيا اللبنانية وتأمين موارد مائية إضافية.
ولا تتوقف الأطماع الإسرائيلية عند حدود التأمين العسكري؛ بل تمتد لتكشف عن جوهر استراتيجي قديم متجدد؛ وهو نهب المياه اللبنانية. فالمخطط الإسرائيلي، في حال استقر له المقام في الجنوب، يهدف بوضوح إلى تحويل مياه نهر الليطاني، أو أجزاء منها، لتروي ظمأ الشمال الإسرائيلي. والمفارقة الصارخة هنا تكمن في أن مشروع «وقف إطلاق النار» والمفاوضات الذي ترعاه إدارة ترامب، لا يقوم ـ كأساس ـ على الانسحاب أولاً والتفاوض لاحقاً، بل ينطلق من شرط إنهاء المقاومة اللبنانية أولاً، ثم التفاوض على السلام تالياً، مع إرجاء الانسحاب إلى مرحلة لاحقة غير محددة. وهذا يعني، بعبارة واضحة، أن الاحتلال في الجنوب سيستمر لسنوات قادمة، بهدف فرض اتفاقية تطبيع قسرية تحت نيران القوة، وتحويل الوجود العسكري المؤقت إلى واقع سياسي ومائي دائم.
إن خطورة فكرة الخطوط بألوانها المختلفة تكمن في كونه أداة لشرعنة العدوان الدائم؛ فكلما شعرت إسرائيل بضرورة توسيع مجالها الحيوي، قامت برسم خط جديد وادعت أن تجاوزه يمثل تهديداً وجودياً لها. هكذا، تصبح جغرافيا الجيران مجرد «عمق أمني» مستباح للآلة العسكرية الإسرائيلية، وتتحول سيادة الدول المحيطة إلى كلام بلا معنى.
أما في جنوب سوريا فما تصر عليه إسرائيل هو تحويله بالكامل إلى حزام أمني مجرد من السلاح، يتجاوز بمراحل حدود «خط هدنة 1974» وتمنع إسرائيل الدولة السورية من ممارسة أي مظهر من مظاهر السيادة على اراضهيا، ويُحصر وجودها فقط في «الخدمات البلدية» الدنيا، كجمع النفايات وصيانة الصرف الصحي وما شابه؛ مما يعني عملياً تحويل مؤسسات الدولة إلى مجرد «متعهد خدمات» تحت الوصاية الأمنية للاحتلال. إن هذا التمدد لما وراء الجولان المحتل، يجعل العمق السوري إلى عبارة عن منطقة عازلة لكنها متحركة وتتوسع حسب الظروف.
ولدى إسرائيل أيضا خطوط حمراء، لا تقوم بالضرورة على الاحتلال الفعلي، إنما تعتبر مبادئ اسراتيجية مستقبلية هدفها الهيمنة الإقليمية الشاملة. فبالنسبة لإسرائيل، يمثل امتلاك العرب للمعرفة النووية، حتى للأغراض السلمية، خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه؛ وهو الحال ذاته مع إيران رغم بُعدها الجغرافي. كما أن امتلاك أي دولة مجاورة، أو حتى بعيدة مثل إيران مثلا، لإمكانيات حماية نفسها عبر تطوير صناعاتها العسكرية يُعدّ أيضاً خطاً أحمر إسرائيلياً بمبرر أنه تهديدي لوجوده. وقد تجلّى ذلك بوضوح في قصف إسرائيل لمفاعل «تموز» العراقي العام 1981، رغم أنه كان لا يزال في طور الإنشاء ولم يدخل الخدمة أصلاً؛ مما يؤكد أن الاستراتيجية الإسرائيلية لا تكتفي بضم الأرض، بل تسعى لضمّ المستقبل عبر احتكار المعرفة والقوة، ومنع أي طرف إقليمي من الوصول إلى حالة «التوازن الاستراتيجي». كل ذلك يجري من أجل قيام إسرائيل الكبرى.
إلا أنَّ الحقيقة التي لا يراها كثيرون هي أنَّ «إسرائيل الكبرى» قائمة بالفعل؛ فما لم تحققه بالآلة العسكرية والاحتلال المباشر والضم الجغرافي، حققته بالتفوق وعززته على الأرض عبر حملة «اتفاقيات أبراهام»، التي لم تنه فقط إنهاء حالة الحرب الرسمية مع بعض العرب، بل كانت جسراً لاختراق النسيج الاقتصادي والأمني والثقافي للمنطقة. إنَّ هذا التمدد «الناعم» يكمل ما ترسمه الدبابات في غزة ولبنان وسوريا؛ فبينما تأكل الخطوط الملونة الجغرافيا، يفتح التطبيع آفاقاً لإسرائيل لتكون مركزاً إقليمياً مهيمناً دون الحاجة ليكون جيشها في كل عاصمة. وبذلك، تصبح حدود إسرائيل حدوداً عابرة للدول، حيث لها السيادة عليها وتصبح أراضيها مجرد مساحة سيّالة تتمدد وفق مقتضيات مصالحها، وسط عالما عربيا عاجزا عن حماية نفسه في نطام دولي صار يعتبر محو الحدود وضم الأراضي «واقعاً جديداً» يجب التعايش معه.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات