Atwasat

المفاتيح القديمة لا تفتح أبواب المستقبل

جمعة بوكليب الأربعاء 01 أبريل 2026, 04:52 مساء
جمعة بوكليب

«التاريخ لا يعيد نفسه لكنه يتناغم». قرأتُ أن هذه المقولة تُنسب إلى الكاتب الأميركي مارك توين. وقصد بها التأكيد على أن الأحداث التاريخية لا تتكرر بحذافيرها؛ فالظروف الجيوسياسية، التكنولوجيا، الشخصيات، والقوى الاقتصادية تتغير دائماً. وبذلك فإنه من المستحيل أن تعود لحظة زمنية بدقة 100%؛ لكنها قد تتناغم، كما تتناغم القوافي في قصائد الشِعر بنفس الإيقاع، لكن ليس بنفس الكلمات.

أهل الخبرة والاختصاص يقولون موضحين إن مارك توين كان يقصد أن الطبيعة البشرية، والأطماع، وردود أفعال المجتمعات تجاه الخوف أو القوة، تتبع أنماطاً ثابتة. لذا، نجد أن صراعاً في القرن العشرين قد يشبه في «إيقاعه» صراعاً في حقب تاريخية سابقة، رغم اختلاف الأدوات.

مقولة الكاتب الأميركي يمكن الاستدلال بها على تفسير حدثين تاريخيين متشابهين حدثا في لبنان تفصل بينهما فترة زمنية تصل إلى 44 عاماً. يعود الحدث الأول منهما إلى العام 1982، والثاني الى العام الجاري 2026. الحدثان تجسدا في غزوين إسرائيليين لجنوب لبنان. في العام 1982 كان بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية. وفي هذا العام 2026 كان بهدف تفكيك حزب الله، والقضاء عليه.

في الحالتين، كان الهدف الإسرائيلي هو تأمين الحدود الشمالية وضمان سلامة سكانها من خلال إبعاد التهديد المسلح عن الحدود. الغزوان بدأ بعمليات محدودة سرعان ما تحولت إلى غزو برّي واسع واستهداف للعمق اللبناني (بيروت في 1982، وحالياً الضاحية والجنوب وبيروت وكذلك سهل البقاع). الغطاء السياسي في الحالتين كان واحدًا: عجز الدولة اللبنانية عن ضبط الجماعات المسلحة على أرضها، مما يعطي اسرائيل الحق في التدخل المباشر، دفاعًا عن النفس.

الغزو الإسرائيلي في العام 1982 أفضى إلى اتفاق يقضي بخروج منظمة التحرير الفلسطينية، قيادةً وكوادر، من لبنان، والترحيل إلى تونس واليمن. الترحيل جرى على اعتبار أن الفلسطينيين في لبنان قوة مسلحة وافدة وليسوا لبنانيين.

فكيف سيتم التخلص من أنصار حزب الله وقياداته وكوادره وهم مواطنون لبنانيون، وجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي اللبناني؟ هذه النقطة الفارقة بين الحدثين تقود إلى استنتاج مفاده استحالة استنساخ سيناريو الترحيل الفلسطيني. بمعنى أن نجاح إسرائيل في تغيير الواقع العسكري في جنوب لبنان، لا يقود بالضرورة إلى نجاحها في تغيير المقاومة والرفض طالما بقيت المسببات.

الحرب في العام 1982 ضد الفلسطينيين انتهت بخروج ياسر عرفات وقواته من لبنان، إلا أنها في الوقت ذاته أفضت إلى ملء الفراغ الفلسطيني بقوة مقاومة لبنانية ممثلة في تأسيس حزب الله وخروجه إلى العلن، بتدبير وتنفيذ من إيران. أي أن الفراغ الذي تركه الفلسطينيون في لبنان سرعان ما تم ملؤه بحزب الله.

فما الذي سيتمخض عن المحاولة الحالية لتفكيك حزب الله؟ الحقيقة التي لا مفر من مواجهتها هي أنه طالما بقيت جذور الصراع السياسي بلا حل بإصرار حكومات إسرائيل على رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة، فإن الفراغ الذي يتركه القضاء على تنظيم معين (فلسطيني أو لبناني) من المحتمل أن يملؤه فاعل أكثر تشدداً.

مشكلة إسرائيل، في رأيي، تكمن في التشبت بعقلية من يحاول حل الأزمات بنفس الأدوات التي استخدمتها قبل عقود. أي بالإصرارعلى استخدام نفس المفاتيح القديمة والصدئة لفتح أبواب المستقبل.

بقاء جذور الصراع دون تسوية عادلة ناجم عن التشبت بهذه العقلية. خروج منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1982من لبنان، لم يقد إلى ضمان سلامة سكان الحدود الشمالية في إسرائيل. لهذا السبب لا غير، ستظل حكومات إسرائيل مثل ثور لا يتوقف عن نطح نفس الصخرة. والتاريخ، حتى وإن أبدى تناغمًا في إيقاعه، فإنه لا يسعف بتقديم حلول جاهزة لمن يرفضون قراءة المتغيّرات.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»