مع بداية الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران، جسدت الأحداث حلقة جديدة من اضطراب سياسة العلاقات الدولية، في أكثر حقبها تهورًا وطيشًا؛ طالما لا تنفك أقوى دولة في العالم عن تكريس آلتها الحربية دونما غطاء أخلاقي، يسوغ الاستخدام المفرط للقوة؛ وقد بلغت أقصى مداها من الوحشية، كاشفة عن زيف ما تدعيه قيادتها؛ بخوض معركة عادلة لصالح البشرية، بذريعة القضاء على برنامج إيران النووي، الذي يهدد (كما تزعم) الأمن العالمي. هكذا حرب، من المتعذر تفسيرها إلا باللجوء إلى تحليلات «سيغموند فرويد»، لا أطروحة «فن الحرب» للصيني «سون تزو».
ومع تداعيات النيران تداعت بإسهاب خطبُ الرئيس ترامب وتصريحاته، دون مراعاة لأبسط قواعد الدبلوماسية، وبروتوكولات السياسة الخارجية. لتبدو في الغالب محض تهريج مسرحي؛ استهان، في جزء من ترهاته الساخرة برؤساء وزعماء دول ذات سيادة، يمثلون رمزية قومية ودينية؛ مما شكّل استفزازًا صريحًا لمشاعر العرب والمسلمين قاطبة.
صحيح، ثمة مسافة بين حرب ظالمة، وأخرى عادلة؛ كبون فاصل بين الجنون ونقيضه. بين البهيمة وابن آدم. وبذا سيبدو الرئيس «دونالد ترامب» نفسه محض خزي لحظة استدعاء الحكيم «نلسون مانديلا». هذا ما تفضي إليه المقارنة هنا؛ طالما أمسى عالمنا رغمًا عنه، مطالبًا باللجوء إلى معقل الذاكرة وعقلها، بغية ترجيح قدرٍ من العدل والاعتدال، لإنصاف نفسه من تغوّل همجية حضارة الإسطبل.
• يوم ميلاد مانديلا، كان شعبُه الأفريقي الذي يبلغ تعداده ضعفي السكان البيض، يشغل ما نسبته 7.3% من مساحة الدولة. وقد حرمت سياسةُ الفصل العنصري السودَ من أدنى حقوقهم المدنية، بما فيها الاستحقاق الانتخابي. ناهيك عن مظاهر العنف المعنوي والجسدي. بينما وُلد ترامب لأبوين برجوازيين من أصول ألمانية وإسكتلندية، تزامنًا مع تصعيد بلده لسياسة الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، حليفها في الحرب العالمية الثانية.
• عاش مانديلا كطفل يتيم الأب، منذ التاسعة من عمره بمعية أمه وإخوته. ليشارك على صغرٍ في مساعدة أسرته، برعي الماشية وحرث الأرض. حينًا يُصغي لحكايات الكبار، وحينًا يصطاد العصافير بمقلاع، ويرضع الحليب طازجًا ودافئًا من ضرع البقرة. وبالمقابل نشأ ترامب مرفهًا في أحياء راقية، إذْ كوّنَ والده ثروة من بناء العقارات. واتسمت طفولته بسلوك عدواني؛ ليتجرأ وهو بالصف الثاني الابتدائي على ضرب أحد معلميه.
• بعد دراسته للقانون زاول مانديلا المحاماة، وفي الفترة نفسها برز نشاطه المعارض لسياسات الفصل العنصري، ثم انخرط كعضو في حزب المؤتمر الوطني الأفريقي سنة 1944. بيد أن ترامب لم يكن له في شبابه أي ميل سياسي، باعتبار السياسة حسب وصفه: «حياة لئيمة للغاية»، وأن الأكفَاء وحدهم سيفضلون مجال الأعمال. لعلّ هذا ما حفّزه بعد حصوله على بكالوريوس في التجارة وإدارة الأعمال، على الانضمام لشركة عقارات يديرها والده. ومن بعد سيدشنُ نشاطه الاستثماري الخاص بتشييد كازينوهات وملاعب غولف.
• تجشم مانديلا عقوبة سبعة وعشرين عاما، كسجين سياسي، بجريرة انحيازه إلى نصرة شعبه. وبقدر ما لحياة السجن من قسوة ضارية، كان لها أيضًا شأنها في صقل خبراته وإنارة بصيرته. ليخوض وبكل روية معركته الحاسمة مع نفسه، مستدركا استراتيجيات سياسة بديلة للكفاح المسلح، تستأنس بحكمة التسامح والحوار، وصولًا إلى المصالحة الوطنية. في الأثناء تعرضت شركاتُ ترامب لخسائر متراكمة، أسفرت عن أزمة مالية كبيرة اضطرته إلى الاقتراض، ورفد العجز المالي بعدة فنادق وكازينوهات، وعلى الرغم من ذلك أعلنت شركتان من ممتلكاته إفلاسهما. إذ ذاك صدر كتاب عن سيرة ترامب بوسم: «المليونير الضائع».
• في مطلع العام 1990، أفرج عن السجين مانديلا، ليستأنف بحماسة واثقة، مشروع الحوار الوطني، ونشر ثقافة الصفح، وروح التسامح، ضمن آليات تعبيد الطريق لتجربة المصالحة الوطنية، التي تحدّدت أطرافها، وتهيأ لها المناخ الاجتماعي والسياسي، سعيًا إلى المراحل الإجرائية (فيما بعد) لإرساء العدالة الانتقالية، دونما إغفال لتوقعات التغيير واحتمالات حكم الأغلبية السوداء. بحيث تسهم هكذا خطوات في تأمين ضمانات عرفية وقانونية لحماية الأقلية البيضاء. وانتظر مانديلا حتى بلغ الرابعة والسبعين من عمره؛ ليتمتع، ولأول مرة بحق الانتخاب في وطنه. آنذاك سيحظى ترامب بشهرة واسعة، عقب توسّع دائرة استثماراته كرجل أعمال، وملياردير استعراضي؛ بزغ نجمه بصورة خاصة إثر ظهوره الترفيهي في حلقات برنامجه التلفزيوني: المتدرب، «ذا أبرينتايس».
• شكّل صعودُ مانديلا كأول رئيس أسود منتخب ديمقراطيا من جميع الأعراق والمكونات الثقافية، حدثا تاريخيا، وإطارا فاصلًا في «جنوب أفريقيا» لأزمنة الميز العنصري التي استمرت ثلاثة قرون ونيف من الصراع المتواصل؟ وبذا دشنت جنوبُ أفريقيا عصرًا جديدًا، تائقًا لتعزيز أواصر العدل والمساواة، واحترام حقوق الإنسان. في سنة 1999 تقاعد مانديلا رسميًا من العمل السياسي. وفي الفترة ذاتها بدأ ترامب الذي لا شأن له بالسياسة، يسرّب بعض التلميحات عن طموحه لخوض غمار الانتخابات الرئاسية. وسيحرص اعتبارًا من سنة 2000 على الاقتراب من دوائر الأحزاب، كالإصلاح، ثم الديمقراطي، إلى أن رست مراكبه خلال سنة 2012 بمحطة الجمهوريين. معلنًا عن عزمه للترشح الرئاسي في منتصف سنة 2015. مستهلًا دعايته الشعبوية بالتهجم على المكسيك بمسوّغ تهريب المخدرات، وضخّ المجرمين. واسمًا مناظراته بشعار: «لنجعل أميركا عظيمة مجددًا».
ولم تنج حملته الانتخابية من إثارة الشبهات؛ وعلى الرغم من ذلك تمكن وبدهاء من هزيمة منافسته المحنّكة سياسيًا: «هيلاري كلينتون». وهكذا نهج الرئيس: (45،47 ) الأسلوب نفسه في إثناء حملته الانتخابية 2024، أمام «كامالا هاريس».
الآن عندما نشير إلى جنوب أفريقيا، يحضرُ مانديلا، كما لو أنه يحملُ الشمسَ في كلمة، والعالمُ ظلّ. يحضر كأهم مرجع يعتد بتجربته في ترسيخ التآخي والتعايش السلمي للناس، بمختلف أعراقهم وألوانهم ولغاتهم وأديانهم، كما لو أنهم حقًا، إخوة في الجنة. ولعلّ عالمنا الآن، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى قبس من حكمة العقل، لا هلاوس الكوكايين وغطرسة القوة. إلى نهج سياسة التآخي والسلم، كطريق للخلاص من عنجهية حضارة الإسطبل.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات