Atwasat

التسويات الدولية: دايتون والصخيرات (3-3)

أحمد معيوف الأحد 29 مارس 2026, 10:53 مساء
أحمد معيوف

هل ينجح نموذج دايتون كحل لليبيا؟
من الصعب أن نتوقع نجاح نموذج دايتون في حل الأزمة اليبية، سنتناول سيناريوهات نجاحه من عدمه، لكن قبل ذلك دعنا نعاود طرح السؤال بشكل آخر: هل يمكن تطبيق نمودج دايتون على الحالة الليبية؟ والجواب باختصار لا!.

أكبر نجاحات دايتون هو إنشاء دستور، وهذا الأمر ممكن جدا أن يتحقق في الحالة الليبية مع بعض الضغط الدولي في إخراج المشروع للاستفتاء أو إعادة صياغة دستور جديد برعاية أممية أو دولة نافذة، وهذا الأمر ليس غريبا فدستور اليابان تمت صياغته بشكل أساسي بواسطة مسؤولين أمريكيين في مقر القيادة العامة لقوات الحلفاء، تحت إشراف الجنرال دوغلاس ماك آرثر، لفرض الديمقراطية وتجريد اليابان من قدراتها العسكرية، ودستور العراق شاركت فيه أطراف دولية، وقد صاغت الولايات المتحدة الأمريكية الإطار الدستوري والقانوني للدستور البوسني في دايتون، أوهايو، لإنهاء الصراع.

الأمر الثاني الذي ممكن أن تنجح فيه صيغة دايتون هو نزع سلاح الميليشيات، وقد تناول نزع سلاح الميليشيات الإثنية في البوسنة ثلاث مراحل، تناولت المرحلة الأولى تسليما طوعيا للسلاح بمقابل، والمرحلة الثانية انتزاع السلاح بالقوة وبدون مقابل، والمرحلة الثالثة تجريم حملة السلاح ، وسهل عملية جمع السلاح وجود قواعد بيانات لحاملي السلاح. لكن الصعوبة الأكبر في ليبيا لا تكمن في جمع السلاح، وإنما في إعادة إنشاء جيش وطني، فجيش القيادة العامة بغض النظر عن إمكانياته التنظيمة وقوته، إلا أن سلطة العائلة عليه وعدم خضوعه للسلطة التي منحته الشرعية لن تسمح بقبوله كجيش وطني، وتوحيد القوات المسلحة بين القيادة العامة والحكومة المعترف بها دوليا تعثرت أكثر من مرة، بمعنى غياب الإرادة الوطنية في تحويل القوات العسكرية على الأرض إلى قوة وطنية تخضع لسلطة الدولة يكاد يكون معدوما.

المحصلة، نجح نموذج دايتون في البوسنة في إنهاء القتال وحوله إلى صراع سياسي قد يحتذى به في الحالة الليببية، وقد يساهم تبني نموذج مشابه في تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار الحالي باشراف 5+5 وتحويله إلى إطار سياسي دائم يمنع العودة للحرب. لكن، نمودج دايتون قام على تقسيم البلاد إلى كيانات شبه مستقلة (مثل اتحاد البوسنة وجمهورية صرب البوسنة)، هذا النموذج قد يترتب عليه التأسيس لشرعية التقسيم التي ترفض من طيف واسع من الليبين بمن فيهم سلطات الأمر الواقع، وحتى أطراف خارجية كالجيران مثلا.

المخاوف من سلبيات نمودج دايتون وتعثر المسارات التقليدية التي تبنتها البعثة الأممية، جعل هناك حاجة إلى البحث عن حلول عملية بدلا عن الصفقات السياسية ودبلوماسية التوافق. ربما أولى خطوات الحلول العملية هي تقنين الصرف، فالصراع يتغذى على المال، ومصدر المال الليبي هو النفط، لذلك يحتاج العمل على آلية لإدارة إيرادات الدولة بصورة عامة وإيرادات النفط بصورة خاصة، عن طريق إنشاء نظام مراقبة دولي - محلي مشترك لضمان التوزيع العادل لثروات النفط، مما يقلل من حوافز الجماعات المسلحة والقوات النظامية في السيطرة على مؤسسات الدولة وخاصة المصرف المركزي.

والخطوة الثانية استبعاد دور البرلمان ومجلس الدولة باعتبارهما واجهة الخلاف القائم عن أي حلول عملية (تظل الحاجة قائمة لهما في تمرير ما يتم وضعه من حلول)، واستبداله عن طريق تفعيل الحوار المهيكل الذي يضمن إشراك طيف واسع من المجتمع قادر بدعم دولي على انتزاع الشرعية من النخب المعرقلة. والخطوة الثالثة إنهاء المرحلة الانتقالية عبر تشكيل حكومة مؤقتة مهمتها الوحيدة هي الإشراف على الانتخابات.

لا تخرج هذه الخطوات عن الإطار العام لخارطة الطريق التي أطلقتها بعثة الأمم المتحدة في أغسطس 2025 والتي هدفت إلى استبدال الحكومة الحالية بعد تعديل قوانين الانتخابات وإعادة تشكيل المفوضية. لكن يظل أنجح الحلول وأسرعها هي تلك التي تأتي عن طريق الضغط الشعبي والدولي لإجراء انتخابات وطنية، وإبعاد المؤسسات القائمة عن التجاذبات السياسية.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»