بين سياسة الخداع، وآلة الحرب، ليس من المستغرب أن يمرّ اليوم العالمي للشعر مرورًا خجولًا. ربما سيبادر بعض الدراويش بإحياء أمسيات شعرية، هنا وهناك، التي بالكاد ستحظى بحضور هزيل، وقد انطلى عليهم حقًا ما ورد في منشورات منظمة اليونسكو بأن «الشعر هو أحد أشكال التعبير، وأحد مظاهر الهوية اللغوية والثقافية، وأغنى ما تملكه الإنسانية. فمنذ قديم الزمان، عرفت القارات بمختلف ثقافاتها الشعر، إذ ‘نه بخاطب القيم الإنسانية التي تتقاسمها كل الشعوب، فالشعر يحول كلمات قصائده البسيطة إلى حافز كبير للحوار والسلام».
لا ريب أن ما أكدته أدبيات اليونسكو عبر تجديد اعترافها بهكذا وسيلة تعبير كان دعوة صريحة لدعم التنوع اللغوي ممثلًا في صناعة الشعر، بوصفه أكثر أشكال التعبير البشري عراقة ونبلًا. كذلك ما تضمنته بالمناسبة نفسها في مارس 2021 كلمة المديرة السابقة لليونسكو، السيدة «أودري أزولاي»، واصفة الشعر بأنه «ركن من أركان كينونتنا، وهو مناسبة للاحتفاء بالتعبير اللغوي لإنسانيتنا المشتركة، حيث يصاغ الشعر بالكلمات، وتكسبه الصور اللغوية حلة مزدانة بالألوان، وتضبط أوزانه بما يلزم من مقاييس البحور، ويستمد بذلك قوة لا نظير لها في سائر ضروب الأدب والفن».
بيد أن المفارقة التي يصعب هضمها أن معظم شعراء العالم في لحظتنا الراهنة باتوا من فرط خيبتهم أقلّ انشغالًا بمثل هذا النمط من البروتوكولات التقليدية، التي بعد مرور قرابة ثلاثة عقود على اعتماد المؤتمر العام لليونسكو، خلال دورته الثلاثين المنعقدة في باريس سنة 1999، وللمرة الأولى، يوم 21 مارس كيوم عالمي للشعر. إلا أن هكذا مناسبة (كما يبدو لي) قد اكتفت بمظاهر الأعراس والحفلات، دون أن تُولي أية فعالية تذكر لمعالجة وتين الأزمة، يمكن الإشادة بدعمها للشعر في أكثر فتراته انحسارًا؛ فلطالما ظلّ تواصلها (على تواضعه) مرتبطًا في الغالب بالحكومات، لا المنظمات الأهلية.
في هذا العام، وبكل أسف، تزامنت ذكرى الاحتفاء بلغة الشعر في يومه العالمي مع استبداد لغة الخداع، التي وسمت خطاب الغالب، ولا سيما فيما عكسته البرامج الإخبارية لوسائط الميديا المركزية ومن والاها، لتسوّغ دونما حياء، وبأكثر وسائل الفبركة تضليلا، انفلات آلة الحرب حين ترتكب دونما هوادة المزيد من جرائم القتل والدمار. كأن هدم المنازل على ساكنيها، ودكّ المدارس والجسور والمطارات ومحطات الطاقة وموانئ النقل، لا يقللان من براءة قيادة النظام العالمي الجديد، وبذا لا مجال للتشكيك بنزاهة مساعيها الحميدة، لتمديد عمر الفوضى، وتوسيع فضائها الجغرافي، وأن أية ريبة بنيات إمبراطورية عالمنا الحر، وسياساتها الدولية الساعية لتوطين الديمقراطيات عبر إعادة تخريط جيوسياسية، تلبية لآمال المقهورين والمستضعفين أينما كانوا، من العراق إلى فنزويلا، لا تعدو عن كونها محض شبهات مغرضة، ناجمة عن وسواس قهري لمتلازمة ما يسمى «نظرية المؤامرة».
فأي نبل ثقافي يمكن الإشادة بمنجزه في يوم الشعر العالمي، وأي احتفاء هذا الذي يشهر عناوينه المبهجة، بدعوى تكريم كائن مشرد بلا مأوى. ولو كانت منظمة اليونسكو تعني حقًا ما تضمنته أدبياتها حول ضرورة الشعر كوظيفة حضارية لدعمت مقترحاتها ببرامج عمل جادة، إسهامًا منها في إعادة الشعر إلى الشفاه، وتهيئة الشارع في العالم أجمع لإنقاذ وجدانه من التلوث، وإلا ستبقى توصياتها هي الأخرى في عداد بيانات الخداع، وكأنها بلغت درجة من العمى لتعجز عن قراءة واستيعاب مظاهر الفساد العام، الذي أطّرته قيمُ منظومة السيولة في حقبة ما بعد الحداثة، التي شوهت معايير الجمال الأصيلة كفنون مؤسسة لوجدان البشرية. فسادٌ عام أنتهك قداسة أكثر الفنون قدما وعتاقة، تجلّت أسوأ أعراضه في هشاشة الموسيقى، التي رامت تلبية إيقاع الجسد، لا الروح، وانحراف الرسم باتجاه وظيفة الملصق والكولاج، بينما
يتكبّد الشعر المحتفى به الحصة الأوفر من التفسّخ، بعد أن حولته الزريبة الإلكترونية إلى مشاع، وضربا من صناعة الجثث على طريقة فرانكشتاين، لتسفر المحصلة في المجمل عن فنون عشواء بلا هويات.
وبصدد عزلة الشعر، وبصورة خاصة أثر الصعود المستمر للنظام العالمي الجديد بكل منظوماته الثقافية والإعلامية، إذ باتت المجتمعات البشرية تتخلى عن أهم رافد للغة وجدانها، ويكفي هنا التدليل بما يتعرض له هامش الشعر من تضييق في المساحة المخصصة للأبواب الثقافية بالصحف والمجلات. كذلك إحجام دور النشر في القطاعين العام والخاص عن طباعة وتوزيع المصنفات الشعرية؛ ناهيك عن الازدراء الذي يستهدف تجاهل الدور المجتمعي للشاعر نفسه حين يقصى، يوما بعد يوم، خارج الكادر الوظيفي للمعرفة.
إزاء هذا الازورار الآثم، فإن أي تصريح يذود عن الشعر كأهم منتج للمخيلة البشرية، يكفل وجوده بيننا قدرًا من التوازن لمسيرة العالم، سيعد ضربًا من الحماقة، لن تسلم بدورها من السخرية كخطاب مضاد، يزن الأدب بمكاييل السوق، وبذلك سينجم عن تراكم هذا الصنف من الاغاليط المؤسسة لـ«نظام التفاهة» ترجيح الكفة، إعلاميًا وثقافيًا واقتصاديًا، لمصلحة شعريات ترامب، إذْ ذاك «فليسقط شكسبير»، حيث لا أثر لمغزى جماليات الوجود عندما تفقد البشرية أغلى مكتسبات المخيلة، ولن يبقى لها سوى هذا الركض الأعمى باتجاه مآلها الغامض، وهي تلهث دونما توقف؛ علها تجاري خوارزميات السوشيال ميديا المتسارعة، وقد تجلت أخيرًا، وبامتياز خارق للعادة، في لقطة أكشن استعراضية لحصان الكاوبوي، وهو يقفز في سرعة البرق من جزيرة إبستين إلى مضيق هُرْمُز.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات