في «النفاق» يروي الليبيون كما يروي العرب حكاية موت حمار أحد القضاة، فتوافدت على بيته حشود المعزين أياماً ولياليَ يقدمون واجب العزاء بكلمات الرثاء في حماره الذي اشتهر صيته بين الكبار والصغار، ليس لكونه حماراً عادياً كما الحمير، ولكن بوصفه «حمار القاضي»!.. وتنتهي الحكاية بأن مات القاضي فلم يحضر أحد للتعزية فيه!
تقرب الناس كثيراً من القاضي بمناسبة موت حماره، وبموته انتهت المصلحة.. وقد عاش الليبيون مع الكثير من القضاة من بعده وبذات المصلحة، وهو ذاته السلوك الرائج في علاقة الكثيرين بالمسؤول إلى أن تنتهي وظيفته فتنتهي المصلحة فلا يعود يسأل عنه أحد، ميتاً أو حياً!
في الثقافة العربية ظهرت الكثير من شواهد النفاق منذ ما قبل ظهور الإسلام وما بعده، وكأنه الطابع الجيني في حياة البشر، وسواهم يعتبرون شاذين عن القاعدة.. ولعل أهم المنافقين كانوا شعراء المديح منذ الجاهلية في سوق «عكاظ» ومن بعده في مدح الأمراء والسلاطين، وهُم من عُرفوا قديماً بشعراء البلاط!
ولأن «النفاق» لا يولد صدفة كما أي سلوك غريزي، بل يُصنَع داخل تاريخٍ طويل من الخضوع، فإن حكاية «حمار القاضي» الشهيرة، ليست نادرة ولا محلية، بل تتكرر بأسماء وأقنعة مختلفة منذ أن تعلم الإنسان أن يربط نجاته بظل الأقوياء. فالسلطة، منذ نشأتها الأولى، لم تحكم بالسيف وحده، بل باللسان الذي يلمع السيف، وبالجمهور الذي يصفق له. وهنا يصبح النفاق لغة ثانية، بل اللغة الأولى أحياناً، متى كانت الضرورة دافعاً للخضوع!
في التراث العربي، لا نحتاج إلى جهد كبير لمعرفة هذه الظاهرة. فيكفي أن نتأمل سِيَر شعراء كبار، كانوا يبدلون ولاءاتهم كما يبدلون قوافيهم.. الشاعر «المتنبي» نفسه، على عبقريته، لم يكن بريئاً من هذه اللعبة، وهو الذي مدح «كافور الإخشيدي» مدحاً متيماً مبالغاً فيه، ثم انقلب عليه هجاءً شرساً حين خابت آماله السياسية.. إذاً لم يكن الخلاف أخلاقياً، بل مصلحياً، وكأن القيم لا تُستدعى إلا عند الخسارة. والمتنبي هنا ليس استثناءً بين شعراء المديح والهجاء، بل المثال الأكثر فصاحة على مأزق المثقف حين يربط كلمته بالسلطة لا بالحقيقة. وقبل المتنبي، وبعده، امتلأت دواوين العرب بشعراء البلاط الذين جعلوا من المدح مهنة، ومن النفاق فناً راقياً، إذ كانوا يصفون الخليفة بالعدل المُطلق وإن سالت الدماء تحت قدميه، ويشبهونه بالأسد وإن كان وديعاً في مجلسه مفترساً في قراراته. وكان الجمهور وقتها يسمع بأذانٍ صاغية، ويصفق بحرارة، ويحفظ القصائد عن ظهر قلب، لا لأنهم كانوا يصدقونها، بل لأنهم اعتادوا العيش بهيام داخل هذا الكذب الجماعي!
في كتب التراث السياسي، نقرأ عن فقهاء ووعاظ اقتربوا من السلطان حتى ذابوا فيه، فأفتوا له بما يريد، وحرموا عليه فقط ما لا يشتهيه. مقابلهم وقفت قلة نادرة دفعت ثمن الصدق نفياً أو سجناً أو قتلاً، مثل «أحمد بن حنبل» في محنة «خلق القرآن»، أو «سعيد بن جبير» في مواجهته للحجاج.. فهؤلاء مثلاً لم يكونوا قديسين، لكنهم كسروا قاعدة النفاق، ولذلك اعتُبروا خطراً على النظام، لأن السلطة حينها كانت تخشى الصادق أكثر مما تخشى المتمرد المسلح!
في التاريخ العالمي، تتكرر القصة نفسها بأزياء مختلفة.. ففي روما القديمة، كان مجلس الشيوخ يعج بخطباء يمجدون الإمبراطور في حياته، ثم يلعنونه بعد موته، وكأن الحقيقة لا تُقال إلا حين تفقد ثمنها.. وفي بلاط «لويس الرابع عشر» ملك فرنسا، كان النبلاء يتنافسون على ابتكار ألقاب التفخيم، لا حباً في الملك، بل خوفاً من خروجهم من دائرة الرضا.. وقد سجل فلاسفة «عصر الأنوار» لاحقاً كيف كان هذا النفاق سبباً مباشراً في انفجار الثورة، حين انهار التمثال فجأة فوق رؤوس من صنعوه!
ليس فقط قديماً، بل حتى في الأزمنة الحديثة لم يتغير الجوهر، فالمثقفون الذين صفقوا للديكتاتوريات في أوروبا القرن العشرين، وكتبوا القصائد والمقالات في تمجيد «الزعيم المخلص»، هم أنفسهم الذين أعادوا كتابة ذاكرتهم بعد سقوطه، وادعوا أنهم كانوا ضحايا النظام لا شركاء فيه.. وهكذا، لا يموت القاضي وحده بلا معزين، بل تموت الحقيقة أيضاً، ولا يسأل عنها أحد.
إن «النفاق» في عمقه الفلسفي، ليس كذباً بسيطاً يسهل إهماله، بل هو انقسام داخلي في الإنسان بأن يقول ما لا يؤمن به، وأن يؤمن بأن نجاته مبررة مهما كان الثمن.. لذلك يصبح النفاق جماعياً حين تتواطأ الذاكرة على النسيان، وحين يتحول الماضي إلى رواية معدلة حسب المصلحة وقيمتها وموازين القوة!
بالعودة إلى حكاية «حمار القاضي»، ندرك أنها ليست حكاية تاريخية ساخرة فحسب، بل هي مرآة قاسية للمجتمع. فالمدينة التي عزت في الحمار وتخلت عن القاضي، لم تكن عديمة أخلاق، بل كانت مخلصة لأخلاق المصلحة التي اعتاشت عليها.. وهذه أخطر أشكال النفاق، لأن المنافق هنا لا يرى سلوكه نفاقاً، بل «واقعية».. وفي كل مرة يُشيع فيها رمزٌ بدل الإنسان، أو منصبٌ بدل القيمة الأخلاقية، أو قناع السلطة بدل حقيقتها، يولد في المجتمع حمارٌ جديد، ويُدرب جمهور جديد على البكاء عليه في الوقت الخطأ، وبالصوت الخطأ. وهكذا تستمر الحكاية، لا لأن القضاة أصبحوا كُثراً، بل لأن النفاق يجد دائماً من يرعاه، ويمنحه الشرعية، ويكتب له المراثي، قبل أن ينساه عند أول منعطف.. ولعل الفلسفة، منذ بداياتها، لم تكن سوى محاولة لفضح هذا التواطؤ الصامت بين السلطة والنفاق.. وهنا نذكر أنه حين كتب «أفلاطون» عن المدينة الفاضلة، كان في العُمق يكتب ضد المدينة الواقعية، تلك التي يُكافأ فيها المادح ويُقصى الصادق. بمعنى لم يكن يخشى الطغيان العسكري بقدر ما كان يخشى طغيان الرأي العام المُصنع، حيث يصبح الكذب رأياً شائعاً، ويغدو الصمت حكمة، ويُتهَم الصادق بأنه مخرب للنظام.. ثم جاء «أرسطو» ليشير، بحذر الفلاسفة، إلى أن الفضيلة لا تزدهر في بلاطٍ يقوم على التملق، لأن الأخلاق لا تُمارَس في الظل، بل في المواجهة. ومع ذلك، ظل التاريخ يسير بعكس هذا التنبيه الأخلاقي، وكأن البشرية اختارت طريق «الحمار» لا طريق الحقيقة العارية!
في الفكر العربي، كان «ابن خلدون» أكثر من فهم هذه اللعبة حين تحدث عن «الجاه» و«السلطان» بوصفهما مركز العمران، فقد كان يلمح إلى أن الناس لا تتبع الحق، بل تتبع الغالب. فالغلبة تخلق خطابها، والخطاب يصنع أخلاقه المؤقتة.. لذلك، حين تسقط الدولة، يسقط معها فجأة جيشٌ كامل من المنافقين، ويتحولون في ليلة واحدة إلى نقاد شرسين للتاريخ الذي كانوا جزءاً من حقبة تزويره. وكأن النفاق لا يموت، بل يبدل موقعه فقط.
أما «مكيافيللي» فقد نزع القناع نهائياً، ولم يتظاهر بالبراءة، وقال ما كان الجميع يفعلونه سراً: «إن الحاكم لا يحتاج إلى أن يكون فاضلاً، بل أن يبدو كذلك».. وهنا بلغ النفاق ذروته النظرية، فلم يعُد رذيلة بل أداة حكم، كما لم يعُد خللاً أخلاقياً بل مهارة سياسية.. ومنذ تلك اللحظة التاريخية، صار النفاق مؤسسة، لا سلوكاً فردياً.. غير أن «فريدريك نيتشه»، بعد قرون، جاء ليقلب الطاولة على هذا «النفاق» المقنع، لا دفاعاً عن الأخلاق التقليدية، بل فضحاً لأخلاق العبيد، حيث يتخفى الضعف خلف قناع الفضيلة، ويتخفى الخوف خلف قناع الحكمة، فرأى أن المجتمعات التي يكثر فيها المداحون هي مجتمعات تخشى النظر في المرآة، وأن الإنسان الذي يصفق طويلاً، يفقد تدريجياً قدرته على الوقوف!
وإذا ما عدنا إلى التاريخ العربي الحديث، سنجد أن النفاق لم يتراجع مع سقوط الخلافة الإسلامية أو نشوء الدولة الوطنية، بل تبدل شكله فقط، حيث صار الحاكم «قائداً تاريخياً»، وصارت الهزيمة «إعادة تموضع»، وصار الفساد «تجاوزات فردية».. وظهر شعراء بلا قصائد، ومثقفون بلا مواقف كي لا يخسروا السلطة في عهدها ولو موقتاً.. وفي هذا السياق، يعود «حمار القاضي» من جديد كاستعارة حية. وهنا لم يعُد الحمار حيواناً عابراً بصمته، بل صار المنصب نفسه والرمز الأبرز في السلطة. تُعزى به المناصب، وتُبكى به الكراسي، وتُشيع به الامتيازات، بينما يُترك الإنسان وحيداً حين يخرج من الصورة، من السلطة، فلا يسأل أحد!
الأخطر من كل ذلك أن «النفاق» حين يستقر طويلاً في المجتمع، يخلق لغة خاصة به. لغة بلا مواقف وبلا أسماء معنية بأمرها. لغة فارغة من القيم الأخلاقية يصبح الظلم خلالها عدلاً والفشل قناعة والقمع ضرورة.. ومع هذه اللغة طريحة الفضيلة، يموت الاحتجاج صامتاً في الزمن، لأن الكلمات نفسها تعجز عن الوصف، وتفقد قدرتها على الإدانة!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات