اليومان الأولان من شهر الصوم قضيتهما في قراءة رواية لكاتب أميركي اسمه دونالد ري بولوك - Donald Ray Pollock الرواية بعنوان «المائدة الربّانية The Heavenly Table». صدرت باللغة الإنجليزية العام 2015، وصدرت باللغة العربية بترجمة مهدي سليمان عن دار مسكيلياني في تونس العام 2020، وتقع في 590 صفحة. تدور أحداثها في ولاية أوهايو الأميركية العام 1917.
الشكر موصول إلى صديقي الروائي جمعة الموفق الذي أوصاني بالحصول عليها وقراءتها، وكذلك صديقي الروائي محمد النعاس الذي أعارني في تونس من وقته المزدحم ما أتاح لي فرصة اقتنائها في أسرع وقت. الشكر موصول كذلك إلى برودة الطقس في لندن؛ فلولاها لربما عزفت عن القراءة مُفضلاً التسكع في الأسواق والمولات لتزجية الوقت.
(Gritty Realism) هو الاسم الإنجليزي الذي يطلقه النقاد الغربيون على النوع الذي تنتمي إليه رواية الأميركي دونالد ري بولوك. ويُترجم بـ«الواقعية القاسية». والوصف (Gritty) في اللغة الإنجليزية قاموسياً مشتق من كلمة (Grit) التي تعني الحَصى الصغير.
في البلدان الباردة شتاءً، تقوم المجالس البلدية قبل اقتراب عاصفة ثلجية بإرسال شاحنات كبيرة خاصة لرش الطرقات بنوع من الحصى البني لمنع تراكم الثلج فوقها. وفي محطات القطارات بلندن، يرى المرء صناديق صفراء كبيرة مكتوباً عليها من الخارج كلمة (Grit) بداخلها رمل بنّي اللون خشن الملمس، يُستخدم خلال الشتاءات الباردة المصاحبة بالصقيع والثلج، تُرش به أرصفة المحطات وقايةً من الانزلاق.
وصفُ تلك النوعية من الروايات بهذا الاسم -كما يقول النقاد- قُصد به منع القارئ من الانزلاق إلى فخ المثالية، بالسير فوق تراب خشن وحقائق حياتية لا تقل عنه خشونة. واستخدمت الكلمة مجازاً لوصف القصص والروايات التي تدور في الشوارع والأزقة والمناطق الفقيرة. كما استُعير الوصف (Gritty) في اللغة اليومية في بريطانيا لوصف أشخاص يتسمون بالصلابة في مواجهة الصعاب.
روايات الواقعية القاسية، تقول المصادر، تتسم بالسوداوية من خلال تركيزها على الجانب المظلم من النفس البشرية، والتدقيق في التفاصيل المزعجة لخلق الإحساس بالواقعية المفرطة، عبر مواجهة الجوانب المؤلمة من الحياة الإنسانية من دون تجميل؛ بهدف الوصول إلى الصدق الصادم.
بعض المصادر الأخرى تسميها «الواقعية القذرة»، وهناك من النقاد من يطلق عليها اسم «الواقعية الفجّة». والروائي الأميركي المشهور (كورماك مكارثي) يُصنّف ضمن كتَّابها. ويرى البعض أن الروائي الأميركي «جون شتاينبك» هو من مهد لتيار الواقعية القاسية من خلال إظهاره لعوالم العمال والفقر المدقع والظلم؛ وروايته المشهورة المعنونة «عناقيد الغضب» قد تكون -في رأيي- أفضل الأمثلة.
مائدة الروائي بولوك «الربّانية» الأميركية ذكرتني بمائدة أخرى «بشرية» وليبية، ممثلة في رواية محمد النعاس «خبز على طاولة الخال ميلاد». إذ لفت انتباهي وجود تشابه بين الروايتين. فرغم تباعد الجغرافيا (ريف أوهايو الأميركي مقابل ريف بلدة تاجوراء الليبية) واختلاف السياق الزمني، إلا أن الروايتين -في رأيي- تسعيان إلى تشريح مجتمعين منغلقين، ويسهل تصنيفهما داخل مدرسة الواقعية القاسية. ويبدو ذلك من خلال الآتي:
أولاً: تحطيم «الصورة النمطية» للرجل: هو الخيط الأقوى بينهما؛ فالكاتبان يهاجمان مفهوم «الفحولة» أو الرجولة التقليدي. عند الأميركي بولوك، يحاول الإخوة الثلاثة (أبطال الرواية) محاكاة صورة رجل عنيف خارج عن القانون قرأوا سيرته في رواية حفظوها من كثرة التكرار، وفي الحقيقة فإن ثلاثتهم فقراء فقراً مدقعاً ومعزولون عن العالم وبائسون وضعفاء ومفلسون، مما يجعلهم عرضة للاستغلال من الأثرياء والسخرية. وعند النعاس، شخصية «ميلاد» تمثل نقيض الصورة النمطية للرجل في مجتمعه؛ فهو يحب الطبخ والتواجد في البيت، مما يجعله عرضة لسخرية المجتمع الذي يقدس «الرجل الخشن».
ثانياً: القرية/المجتمع كـ«سجن» خانق: في الروايتين، لا يمثل المكان ملاذاً، بل هو سلطة رقابية قاسية. في «المائدة الربّانية»، يتحكم الفقر والعزلة في مصائر الناس، وأي محاولة للخروج تنتهي بالعنف. وفي «خبز على طاولة الخال ميلاد»، تتحول القرية إلى «مجهر» يراقب تصرفات ميلاد، حيث «كلام الناس» هو القانون الذي يحدد من هو «الرجل» ومن هو «اللاشيء».
ثالثاً: ثيمة «الخبز - المائدة» عامل مشترك: من المثير للاهتمام استخدام الطعام كرمز مركزي في العنوانين. فمائدة بولوك «الربّانية» تمثل الوعد الإلهي بالخلاص من الجوع والشبع الذي لا يأتي أبداً، و«خبز» النعاس هو مهنة ميلاد وفعل الحب الذي يقدمه، لكنه أيضاً الأداة التي تدينه ويحكم المجتمع من خلالها على «أنوثته» المزعومة.
رابعاً: العنف الكامن والمتفجّر: تتفق الروايتان في وجود عنف غير مرئي -تحت الجلد- ينفجر في لحظات حاسمة. عند بولوك العنف دموي ومباشر، يعكس قسوة الطبيعة وفظاظة الحياة والرغبة الحرّى في الخلاص من الجوع والفقر ولو باللجوء إلى السرقة والقتل. وعند النعاس العنف يبدأ نفسياً واجتماعياً (التنمّر، النبذ)، ثم يتصاعد ليصل إلى مستويات من القسوة غير المتوقعة جراء إحساس ميلاد بالحصار.
خامساً: أسلوب «الواقعية القاسية»: كلاهما لا يُجمّل الحقيقة؛ بولوك يصف الأجساد المتسخة والروائح الكريهة والفقر المدقع والبذاءة المفرطة، والنعاس يصف «عجين» الحياة الليبية بتفاصيلها اليومية المملة والمؤلمة والمُرّة، دون أن يحاول تقديم صورة مثالية للقرية أو للتقاليد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات