في الحقيقة أننا لم نأخذ شيئًا من التاريخ سوى المعرفة بأحداث الماضي المتفرّقة، ومن الوقائع التاريخية الدامغة ذات التأثير المباشر في إحداث تغييرٍ ما، أو ما شابه، كتأثيرات الكوارث والحروب على المجتمعات.. لكن لا شيء استفدناه من تلك الوقائع التاريخية، سوى تكرارها في الزمن، وبذات الأثر.
لقد أخذنا «المعلومة» التي كُنّا نجهل، ولكننا لم نستطع منع حدوث الوقائع التي تتكرّر.. وإذا كانت البشرية قد التهمتها المجاعات ونالت منها الكوارث والحروب، فإن التاريخ كان الخزانة التي تكدّست فيها التواريخ دون أن يكون فاعلًا نقديًا في الزمن، ولا مغيِّرًا لوجهة الأحداث التي تتكرّر، كما لم يكن درسًا ولا عبرة للاستفادة، بل سجلًا كبيرًا من وقائع أرهقت قارئيها في حياة تمتد ولا تتوقّف سوى في محطّات ينزل فيها من يموت، وتستمر الرحلة مع الأحداث في حفظ التاريخ والتواريخ.
من يفقد ذاكرته قد يشتري التاريخ ليستعيدها، ومن يحرق التاريخ لا يريد ذاكرة ماضٍ لا يصنع حاضرًا ولا مستقبلًا.. فأسرى الماضي يحفظون التاريخ لكنّهم لا يملكون من أمرهم شيئًا في تغييره أو منع تكرار أحداثه.. ومن هنا فالأخطاء ذاتها تتكرّر في التاريخ، وبالعبارة الشهيرة «التاريخ يعيد نفسه»؛ لا لأن الزمن دائرة مغلقة، بل لأن الوعي لم يتقدّم بالقدر الذي يحوّل المعرفة إلى فعل، والذاكرة إلى موقف، والسرد إلى نقد.. فماذا إذن أخذنا من التاريخ إذا ما كان ساعدَ على تجاوز الأخطاء والنجاة من تكرارها؟!
لذلك ربما نكون قد أخذنا منه «الخبر» ولم نأخذ «البصيرة». أخذنا الوقائع كما تُؤخذ الحصى من مجرى النهر الجاري، لكننا لم نتعلّم كيف نقرأ اتجاه الماء إلى مصبّ. قرأنا أسماء الزعماء، وتواريخ السقوط، وأرقام الضحايا، غير أننا لم نقرأ البنية العميقة التي تُنتج الطغيان، ولا الشروط التي تسمح بانهيار الدول والمجتمعات، ولا العوامل التي تُحوّل الحماسة الشعبية إلى فوضى، أو الشعارات الرائجة إلى أدوات قمع جديدة.. وكأننا نقرأ التاريخ بوصفه أرشيفًا، لا مختبرًا.. وكأننا نطالعه بعين المتفرّج، لا بعين الشريك في صناعة المصير الواحد المُشترَك للبشرية!
التاريخ ليس ما حدث، بل ما نفهمه ممّا حدث. وما لم يتحوّل الفهم إلى نقد، والنقد إلى وعي، والوعي إلى ممارسة، فإن الماضي سيظلّ يتسلّل إلى الحاضر بأقنعة جديدة متغيِّرة، وبأسماء مغايرة، لكنه يحمل الروح ذاتها. فقد تتغيّر العناوين في مسيرة البحث عن الوجود، لكن يبقى الجوهر التاريخي ماثلًا، وتُستبدل الرايات والشعارات، لكن آلية الاستبداد باقية في جوهرها لا تتبدّل، والعقل الذي يُصفّق للطغاة العابرين بلا مساءلة، يظلّ هو نفسه، أسير ماضيه وإن تظاهر بالفهم!
إننا نحبّ أن نحمّل التاريخ مسؤولية التكرار، كأن له إرادة خفية تعيد الوقائع، بينما الحقيقة أن التكرار هو نتيجة عجزنا عن تفكيك الأسباب.. فحين لا نفهم لماذا اندلعت الحروب، سنظلّ نغذّي شروطها، وحين لا نفهم كيف سقطت الدول، سنعيد بناء الهشاشة ذاتها بأدوات أكثر أناقة لتبرير العجز. وحين لا نقرأ مسارات الانحطاط الأخلاقي في المجتمعات، سنُفاجأ بالانهيار كأنه قدر مفاجئ، لا نتيجة تراكم طويل من التساهل والصمت والمساومة الوجودية.
الزاد في الطريق «مَلهمة التاريخ» ليس كتابًا نحمله ونمضي في صراط، بل وعيٌ نُراكمه لمعرفة تقود الغافل بالفعل التاريخي. كما أنه ليس صفحات محفوظة لزمن قائم لا يتغيّر، بل أسئلة حيّة ماضوية في الحياة.. فالتاريخ الذي لا يوقظ السؤال يتحوّل إلى سردية تمجيد أو بكاء. وهو بهذا المعنى إما أن نُقدّسه يقينًا فنُعطّل نقده ونهمل تفكيكه، أو نلعنه في الزمن فنُعطّل فهمه.. وفي الحالتين نفقد وظيفته الأساسية بوصفه متغيِّرًا في الزمن.
لعلّ المشكلة الأعمق أننا نتعامل مع التاريخ كهُوية ثابتة، لا كمسار متحرِّك، نبحث فيه عمّا يُثبت صوابنا، لا عمّا يُصحّح أخطاءنا.. نستدعي منه أمجادًا لنتغذّى بها نفسيًا لتثبيت وجودنا المرتهن بماضيه المعرفي، لكننا قلّما نستدعيه لنسائل خياراتنا الراهنة.. وهكذا يتحوّل الماضي إلى مخزن رايات وشعارات، لا إلى مدرسة أخلاقية لإثبات الوجود.
إن الأمم التي تعلّمت من تاريخها لم تكن أذكى بالضرورة، لكنّها كانت أكثر جرأة في الاعتراف بأخطائها. لم تخجل من مراجعة سردياتها، ولم تخشَ إعادة قراءة مسلّماتها. أما نحن العرب، فكثيرًا ما نرتبك أمام النقد، ونعتبره خيانة للذاكرة، مع أن الذاكرة التي لا تُنقَّح تتحوّل إلى عبء. فالاعتراف بالخطأ ليس هدمًا للهُوية، بل إعادة تأسيس لها على أرض واثقة أكثر صلابة!
إن التاريخ، في جوهره، ليس ماضيًا، بل علاقة بالماضي. وهذه العلاقة إمّا أن تكون علاقة وعيٍ يَستخلص حقائق الوجود، أو علاقة تكرارٍ يُعيد إنتاج ذاته بلا قيمة وجودية.. ولذلك إذا أردنا أن يكون لنا زاد في الطريق، فعلينا أن نتعامل مع التاريخ بوصفه سؤالًا مفتوحًا، لا جوابًا جاهزًا، وبوصفه تجربة بشرية قابلة للفهم، لا قدرًا أزليًا يتكرّر رغمًا عنّا في الزمن.. وبهذا هل نملك الشجاعة لنحوّل المعرفة إلى مسؤولية؟ وهل نستطيع أن نُخرج التاريخ من خزائنه الصامتة إلى ساحة الفعل النقدي؟ وهل نقدر أن نجعل من الذاكرة أداة بناءٍ، لا مجرّد دفتر حضور للوقائع؟!
إن الطريق طويل، والزمن لا ينتظر أحدًا.. والزاد الحقيقي ليس ما نحمله من أخبار الماضي وتجلّياته وهُلامياته، بل ما نصنعه من وعيٍ يحرس الحاضر في طريق المستقبل.. ومن هنا، فإذا لم نتعلّم كيف نقرأ التاريخ قراءة نقدية عميقة تُنقذنا من أنفسنا الأسيرة، فسنظلّ نسير مثقلين في الدنيا بأحمالٍ لا تغنينا، وسنكرّر الدرس ذاته، في رحلة حياة لا تنتهي إلّا حين ينزل من يموت!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات