Atwasat

القرآن والكتاتيب.. فرصة ممكنة في وجه التردي الثقافي

طارق القزيري الأحد 15 فبراير 2026, 07:04 مساء
طارق القزيري

العربية في ليبيا - وغيرها من الدول - لم تعد تتراجع، بل تتساقط. وحين تسقط اللغة يسقط معها أكثر مما نتصور: التحصيل، والفهم، والقدرة على الاختلاف بلا عراك، والإبداع بلا ضجيج. ما يحدث ليس ذوقا يشيخ ولا حنينا يتلاشى، بل انكماش عميق يطول عقل المجتمع قبل لسانه.

اللغة حين تضعف لا يضعف التعبير فقط، بل تضعف معه القدرة على الفهم مبدئيا، ثم على الاتفاق والاختلاف، وعلى بناء معنى مشترك، وعلى إنتاج معرفة قابلة للتداول.

في هذا السياق، يبدو دعم المدارس القرآنية والكتاتيب، إذا أُحسن تصميمه، فرصة واقعية لتعويض جزء من العجز التربوي واللغوي، لا بوصفه بديلا عن المدرسة الحديثة، بل كرافعة مساعدة تعيد الاعتبار للفصحى، والمخزون اللفظي، والانضباط القرائي.

الفكرة في جوهرها بسيطة: حفظ القرآن يفرض على الطفل واليافع تماسا يوميا مع العربية الفصيحة، مع الأوزان، والإيقاع، ووضوح النطق، ومخارج الحروف، ومع قدر من الدقة لا تمنحه لغة الشارع ولا منصات التواصل.

هذا التماس، إذا اقتُرن بتعليم تجويد سليم وفهم مبسط للمعاني وقواعد القراءة ينعكس غالبا على مهارات القراءة والكتابة والإملاء، وعلى الانتباه والتركيز والذاكرة العاملة.

لذلك من الممكن أن تتبنى وزارتا التعليم والثقافة مسارات داعمة حفظ القرآن، خصوصاً في بيئات تعاني هشاشة المدرسة، وتفاوت جودة المعلمين، ونقص المواد الثقافية.

لكن تحويل هذه الفكرة إلى سياسة عامة يحتاج توازنا صارما بين هدف لغوي تربوي مشروع واحتياطات أمنية وفكرية لا يمكن الاستهانة بها. أكبر خطأ هنا هو ترك الملف للمبادرات العشوائية، أو فتحه بلا معايير، أو تسليمه لفاعلين غير خاضعين لرقابة الدولة المهنية.

وأكبر خطأ مقابل هو شيطنته بوصفه بوابة تطرف، فينتهي المجتمع إلى خسارة قناة تربوية قديمة ومفيدة بسبب سوء إدارة الخطر، لا بسبب الخطر نفسه.

المعادلة الصحيحة تبدأ من المعلم القرآني: تطويره لا يعني فقط تحسين قدرته على الحفظ والتلقين، بل يعني تأهيله بوصفه مربيًا: علم نفس تربوي، وإدارة صف، ومبادئ حماية الطفل، ووعي بخطاب الكراهية ومؤشرات الاستقطاب المبكر، مع تدريب واضح على فصل التعليم الديني عن التوجيه السياسي والحزبي.

هنا يجب أن تكون الرخصة المهنية شرطاً لممارسة التعليم في الكتاتيب، وأن تخضع لمراجعة دورية، وأن ترتبط بسجل مهني وشكاوى أولياء الأمور وتقييمات مفتشين تربويين.

ومع الاحتياط من إدخال أدبيات التكفير أو التحريض أو خطاب الفرقة الناجية، يمكن لوزارة التعليم – أو الأوقاف - أن تدمج هذا المسار في برنامج مهارات اللغة: ربط الحفظ بتمارين إملاء، وتلخيص، وقراءة جهرية، وأنشطة كتابة قصيرة بالفصحى.

الاحتياط الثالث هو الحوكمة والشفافية: أيّ تمويل للكتاتيب يجب أن يمر عبر قواعد معلنة: تسجيل رسمي، وموقع معروف، وساعات محددة، وحضور وانصراف، ورقابة صحية وبيئية، وحظر صارم للعقاب البدني والإهانة. كما يُلزم إشراك المجتمع المحلي عبر لجان أولياء أمور، لا لتسييس المشروع، بل لضبطه، ومنع تحوله إلى فضاء مغلق على الأطفال.

أمّا تحصين الشبيبة من التطرف، فليس بقرار أمني فقط، بل ببيئة تربوية متوازنة. أفضل تحصين هو أن يشعر الطفل بأنّ الدين يفتح له لغة وفهماً وأخلاقاً وتعايشًا، لا أن يضعه في ثنائية العالم ضده.

لذلك من المهم مرافقة المسار القرآني بمسارات موازية: نوادٍ للقراءة، ومسابقات خطابية بالفصحى، وأنشطة فنون ومسرح مدرسي، وتثقيف رقمي يعلّم اليافع كيف يميز بين الوعظ الرصين وخطاب الاستدراج على الإنترنت.

دعم الكتاتيب والمدارس القرآنية يمكن أن يكون جزءاً من علاج تراجع العربية بشرط أن يظلّ هدفه تربوياً لغويا، وأن تحكمه الدولة بمعايير مهنية وحقوقية صارمة، وأن يندمج مع المدرسة لا أن ينافسها. حينها يصبح الحفظ طريقا لرفع اللغة، لا مدخلا لإفسادها، ويصبح القرآن جسراً للتربية والوعي، لا قناعا لأفكار مهلكة.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»