«إننا لم نولد وحريتنا ملكٌ لنا فحسب، بل نحن مكلَّفون أيضًا بالدفاع عنها».
بمثل هذه العبارة يصرخ كاتب شاب في فرنسا في القرن السادس عشر، وسط الصراع الديني والطائفي في أوروبا، وفي أجواء استبداد الأنظمة الملكية في ذلك الزمن. يكتب إتيان دو لا بوسييه (1530–1563) مقالةً تحت عنوان «العبودية الطوعية»، لم تنل الاهتمام المطلوب إلا بعد وفاته، حين اتضح فيما بعد أن هذه المقالة جديرة بالقراءة، وأنها كانت بمثابة بشارة مبكرة لما لحقها في القرون اللاحقة من الفكر الحداثي والتنويري الذي يتناول العلاقة المعقدة بين الحاكم والمحكوم.
في هذه المقالة حاول الكاتب تفكيك العلاقة بين الحاكم والمحكوم، محاولًا الإجابة عن السؤال المحيِّر: كيف تجعل هذه العلاقة الإنسان عبدًا للحاكم، وهو ما يعدّ –كما يرى الكاتب– خروجًا عن الطبيعة الأصلية للإنسان؟
وبأسلوب تحريضي يدعو الناس إلى اليقظة والتخلص من الهيمنة، والخروج من التبعية التي يفرضها الحاكم. هذه التبعية ما كانت لتحدث لولا تنازل الشعب وتخليه عن حريته ورضاه بالمهانة والإذلال، موضحًا أن الإنسان هو المسؤول عن عبوديته.
وهنا يقول:
«إنه لمن الشقاء أن نكون تابعين لسيدٍ ونحن لا نستطيع الوثوق بصلاحه؛ فيما يكون بوسعه دومًا أن يصير شريرًا ساعة يشاء».
وفي موضع آخر يقول مستنكرًا:
«ما يلحق الإنسان على يد طاغيةٍ واحد لا يملك قوة سوى تلك التي يمنحونها إياها الناس، والذي لا قدرة لديه على الإضرار بهم إلا بمقدار ما يريدون هم أن يقاسوا».
تتميّز المقالة في أن الكاتب قلب الفكرة السابقة والشائعة التي ترى أن سبب الاستبداد هو الحاكم، ليقول إن الشعب الذي يتخلى عن مسؤوليته ويرضى بالعبودية والخضوع هو مصدر الاستبداد وحاضن الطغاة.
لقد عرفت الإنسانية منذ القدم العبودية في الحضارات القديمة، اليونانية والرومانية، إلا أن لا بوسييه يرجع أسباب استمرارها إلى الوراثة، لا بالمعنى البيولوجي، بل الثقافي، حين تستمر العائلة في تبنّي أخلاقيات العبودية وممارساتها من جيل إلى آخر. كما أن العبودية قد تحدث أيضًا –كما يرى لا بوسييه– في حالات الحروب والاستعمار، أو عبر نتائج الانتخابات.
في كل هذه الآليات والحالات التي تتجلى فيها العبودية، يسعى الحاكم إلى زرع الخرافة، ويحيط نفسه بصفات وقدرات ما ورائية، مثل الادعاء بقوته الخارقة أو قدرته على الشفاء، كما يلجأ إلى إضفاء أساطير عن جذور عائلته وأصولها. ويعمد الطاغية مبكرًا إلى استقطاب عدد من الانتهازيين الذين يحيطونه بالولاء والخنوع، ثم تسعى هذه الدائرة الضيقة من الانتهازيين إلى استقطاب انتهازيين آخرين، وهكذا تتسع دوائر الخانعين حتى تعم البلاد كلها.
ومع كل ذلك، فإن لا بوسييه لم يحرّض على استعمال العنف، وإنما دعا فقط إلى ما يمكن تسميته بـ«مقاومة الامتناع»: الامتناع عن تقديم الطاعة والولاء للحاكم. ويذكرنا ذلك بفلسفة غاندي في مقاومة الاستعمار البريطاني.
في القرون اللاحقة تطورت الدراسات في الفكر السياسي والاجتماعي حول مفهوم العبودية وتعيّناتها في حياة البشر. واختلفت المدارس في تأصيلها وأسبابها؛ إذ يرى البعض أن العبودية نتاجٌ لازم لاحتكار المال، سواء من قبل الحاكم –كما في الدول ذات الاقتصادات الريعية– أو الأفراد. ويرجعها آخرون إلى فكر أيديولوجي مغلق يضفي على نفسه العصمة، بينما لجأ فريق ثالث إلى التحليل النفسي للإنسان، والبحث عن جذور هذه الظاهرة في نفسية البشر.
وبالتأكيد، فإن مقالة لا بوسييه لا تصمد كثيرًا أمام تعقّد الحياة الحديثة، وما أتاحه التقدم الاقتصادي والتقني –خصوصًا في مجال الإعلام– من إمكانات للحاكم، كفرد أو كمؤسسة، في تشييء الإنسان ومصادرة وعيه للإبقاء على عبوديته. وبالطبع، تبقى أشد صور العبودية هي عبودية العقل.
ومع ذلك، تبقى القيمة التاريخية لهذه المقالة في تنبيه مبكر للعبيد مفاده أن عبوديتهم ناتجة عن تخليهم عن حريتهم للمستبد، وأنه لا صحة للمقولة الزائفة:
«لو أمطرت السماء حرية، لرفع العبيد المظلات…».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات